عمران سميح نزال

162

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

الشقاوة إلى النعيم ، ومن الزهد إلى الترف ، فمن أرادت الدنيا وزينتها فعليها أن تختار حياتها خارج بيت النبوة ، ومن أرادت أن تشارك النبي في طاعة اللّه والجهاد في سبيله فهذا حقها وقرارها ، وهي مخيّرة في ذلك غير مكرهة ، ولذلك جاءت هذه الآيات لما بعدها من وظائف ومهمّات للنبي وزوجاته في الدعوة ومستقبلها . ومن أفضل ما قيل في تفسيرها أيضا : ( وجه التعلق هو أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه ، وإلى هذا أشار عليه الصلاة والسلام بقوله « الصلاة وما ملكت أيمانكم » ثم إن اللّه تعالى لما أرشد نبيه إلى ما يتعلّق بجانب التعظيم للّه بقوله يا أيها النبي اتق اللّه ذكر ما يتعلق بجانب الشفقة ، وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة ، وفي الآية مسائل فقهية منها : أن التخيير هل كان واجبا على النبي عليه الصلاة والسلام أم لا ؟ فنقول : التخيير قولا كان واجبا من غير شك ، لأنه إبلاغ الرسالة ، لأن اللّه لما قال له : قل لهم صار من الرسالة ، وأما التخيير معنى فمبنيّ على الأمر للوجوب أم لا ؟ والظاهر أنه للوجوب . ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقا ؟ والظاهر أنه لا يصير فراقا ، وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي صلى اللّه عليه وسلم لقوله تعالى فتعالين أمتّعكن وأسرحكن سراحا جميلا . . . . ومنها أن من اختارت اللّه ورسوله كان يحرم على النبي عليه الصلاة والسلام طلاقها أم لا ؟ الظاهر الحرمة ، نظرا إلى منصب الرسول عليه الصلاة والسلام على معنى أن النبي عليه السلام لا يباشره أصلا بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب ) « 1 » . فهذه الآيات في حكم المناسبة التاريخية والموضوعية وليس كسبب النزول فقط ، والفارق بينهما هو أن المناسبة تنزل آيات تعالج ما بعد نزولها من أحكام وأحداث ، حتى تنتظم حياة النبي وزوجاته بهذا الشرع الجديد بعد نزول هذه الآيات ،

--> ( 1 ) التفسير الكبير ، الرازي ، 6 / 576 ، و 577 .