عمران سميح نزال

161

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

إن هذه التطورات هي مناسبة نزول هذه الآيات في هذا التاريخ من حياة النبي عليه الصلاة والسلام ، وتاريخ الدولة الإسلامية المدنية ، وأول ما يحتاج إلى تنظيم هو بيت النبي والقائد والحاكم ، لأن علاقات الشؤون الداخلية والخارجية لهذه الدولة المؤمنة ستنظم من هذا البيت الطاهر الشريف ، لأنه بيت النبي القائد الأعلى عليه الصلاة والسلام ، ولأنه قريب وملاصق للمسجد النبوي الذي تعقد فيه الألوية العسكرية وترسم فيه الخطط الحربية وتجبى إليه الموارد المالية وفيه توزّع على أهلها ، وفيه يعين الولاة ويرسل السفراء وتنظّم العلاقات الدولية وغيرها . هذا التطوّر في الحياة النبوية يتطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحدد علاقته مع زوجاته ، وتحديد علاقات زوجاته به ، وعلاقات زوجاته مع بعضهن بعضا ، وعلاقات زوجاته مع مجتمع المؤمنين المدني ، الذي يقوده زوجهن ، فقد أصبحن بعد غزوة الأحزاب زوجات قائد دولة كبيرة ، وبعد غزوة بني قريظة زوجات نبي قائد ترد عليه الغنائم والأموال والسّبايا والأراضي ، فهل يحقّ لهنّ أن يطلبن الزيادة في الرزق الحلال ، بعد أن وسّع اللّه تبارك وتعالى على دولة المؤمنين ، حتى وإن جاءت زوجاته من بيوت سيادة وثراء ولم يألفن في حياتهن الأولى إلا رغد العيش قبل زواجهن بالنبي عليه الصلاة والسلام « 1 » . إن هذه الآيات من سورة الأحزاب جاءت في هذا الوقت بالذات ، وهذا الظرف تحديدا لضبط الحياة الاجتماعية للنبي عليه الصلاة والسلام حتى يتفرّغ ذهنه للحياة الإسلامية الدولية الجديدة ، فطلب منه اللّه تعالى أن يخيّر زوجاته بين الدنيا والآخرة ، فمن كانت تريد الدنيا وزينتها فحياتها ليست مع النبي ولا في بيت النبوة والقيادة ، لأن هذا البيت بيت قدوة حسنة مثل صاحبه عليه الصلاة والسلام ، وأما من تختار اللّه ورسوله والدار الآخرة ، أي تختار أن تشارك النبي عليه الصلاة والسلام واجبات ومسؤوليات الدعوة والجهاد والزهد في الدنيا وزينتها فإن اللّه أعد لها أجرا عظيما . إن على نساء النبي أن يعلمن أن كثرة الأموال والثمار والأراضي ، بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة بني قريظة لا تعني أن الدعوة انتقلت من

--> ( 1 ) نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم ، محمد الغزالي ، 323 .