عمران سميح نزال
139
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
قال ابن كثير : ( وقوم آخرون قالوا كما قال اللّه تعالى : وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني المدينة كما جاء في الصحيح « أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرّتين فذهب وهلي أنها هجر فإذا هي يثرب » وفي لفظ المدينة . . وقوله لا مُقامَ لَكُمْ أي هاهنا يعنون عند النبي صلى اللّه عليه وسلم في مقام المرابطة فَارْجِعُوا أي إلى بيوتكم ومنازلكم وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ . قال العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : هم بنو حارثة قالوا بيوتنا نخاف عليها السرّاق . وكذا قال غير واحد وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو فهم يخشون عليها منهم . قال اللّه تعالى : وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ أي ليست كما يزعمون إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً أي هربا من الزّحف . ) « 1 » . والملاحظ أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض استعملوا اسم يثرب ، وكأنهم يقصدون هذا الاسم بمعنى العودة إلى ما كانوا عليه قبل دخول الإسلام إليهم ، وقبل تسمية يثرب بالمدينة ، وفي ذلك دلالة على مدى الخوف الذي أحسّ به المنافقون والذين في قلوبهم مرض من أهل يثرب ، وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض كانوا من أهل المدينة ، ولكنهم ليسوا من أهل العقبة والبيعة الصادقة على نصرة اللّه ورسوله ومن هاجر إليهم . مناسبة نزول الآية ( 14 ) من سورة الأحزاب : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً ( 14 ) . قال الطبري : ( وقوله : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها يقول : ولو دخلت المدينة على هؤلاء القائلين إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ من أقطارها ، يعني : من جوانبها ونواحيها ، واحدها : قطر ، وفيها لغة أخرى : قتر ، وأقتار . . .
--> ( 1 ) ابن كثير : تفسير القرآن العظيم