عمران سميح نزال
105
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
وهذا ما تشير إليه بعض الروايات التاريخية ، ومنها ما رواه الواحديّ في أسباب النزول من غير سند ، فقال : ( نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السّلمي ، قدموا المدينة بعد قتال أحد ، فنزلوا على عبد اللّه بن أبيّ ، وقد أعطاهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الأمان على أن يكلّموه ، فقام معهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق ، فقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللّات والعزّى ومنات ، وقل إن لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها ، وندعك وربك ، فشقّ على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قولهم ، فقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : ائذن لنا يا رسول اللّه في قتلهم ، فقال : « إني قد أعطيتهم الأمان » ، فقال عمر : اخرجوا في لعنة اللّه وغضبه ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرجهم من المدينة ؛ فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية ) « 1 » . وأما رواية الزمخشري ففيها بعض الغرابة إذ يجعل سبب نزول الآية في النهي عن نقض عهد أو موادعة كانت بين النبيّ عليه الصلاة والسلام وكفار مكة ، وهو مما رواه الماوردي في تفسيره أيضا ، قال : ( وروي أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلميّ قدموا على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه وبينهم ، وقام معهم عبد اللّه بن أبيّ ومعتّب بن قشير والجدّ بن قيس ، فقالوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا ) « 2 » . والغريب في الأمر أنه لا يعلم شيء عن هذه الموادعة في كتب السيرة النبوية ولا في غيرها من المصادر ، إلا إذا قصدوا عهد الأمان الذي دخل فيه كفار مكة إلى المدينة بإذن النبيّ عليه الصلاة والسلام ، ومن الأخطاء التاريخية التي ذكرت في كتب التفسير وأسباب النزول في هذه المناسبة ما وروي من أن أهل مكة دعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوّجه شيبة بن ربيعة بنته ، وخوّفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع ؛ فنزلت « 3 » .
--> ( 1 ) الواحدي : أسباب نزول القرآن 364 . وأسباب النزول للسيوطي ، ص 232 . ( 2 ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، للزمخشري ( 528 ) ، دار الريان للتراث ، القاهرة ، الطبعة الثالثة ، 1407 ه - 1987 م ، 3 / 519 . والجامع لأحكام القرآن ، القرطبي ( 671 ه ) ، م 7 / ج 14 / ص 107 . ( 3 ) الكشاف 3 / 519 ، وتفسير القرطبي ج 14 ، ص 109 ، وأسباب النزول للسيوطي 232 .