عبد الفتاح عبد الغني القاضي
32
الوافي في شرح الشاطبية
89 - يرى نفسه بالذّمّ أولى لأنّها * على المجد لم تلعق من الصّبر والألا المعنى : يعني أن المجتبى يعتقد كل الناس سادات تواضعا منه للّه سبحانه ، فلا يحتقر أحدا من عباد اللّه صالحا أو طالحا ؛ لأن أفعالهم تجري على ما سبق به القضاء ، وكتب القلم ويصح أن يكون . المعنى : أن المجتبى يعد كل واحد من الناس عبدا مقهورا للّه تعالى ، لا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرّا ؛ لأن جميع أعمالهم تجري على وفق القضاء السابق ، فلا يرهب أحدا ولا يتملق لأحد . فعلى المعنى الأول : يكون المقصود وصف المجتبى بالتواضع والبعد عن الكبر والعجب . وعلى الثاني : يكون المراد وصفه بالتوكل على اللّه وحده وقطع طمعه في الخلق . ثم بين الناظم أن هذا المجتبى يرى نفسه أولى بالذم وأحق به من غيرها ؛ لأن نفسه لم تتحمل المشاق والمكاره ، ولم تتناول ما هو مرّ المذاق في تحصيل رفعة القدر وسمو المنزلة عند اللّه تعالى ، فهو لا يشغل نفسه بعيب الناس وذمهم ، بل يرى أن ذم نفسه أولى واتهامها بالتقصير في الطاعات أحرى . فالمراد من قوله : ( لم تلعق من الصبر ) أن نفسه لم تتحمل المكاره والمشاق في سبيل تحصيل ما يرفع مكانتها ويعظم أجرها عند اللّه تعالى والصبر بفتح الصاد وكسرها مع سكون الباء وبفتح الصاد مع كسر الباء عصارة شجر مر . و ( الألا ) : شجر حسن المنظر مر الطعم ، وقيل : هو نبت يشبه الشيح في الريح والطعم . 90 - وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله * وما يأتلي في نصحهم متبذّلا اللغة : ( الإقصاء ) : الإبعاد . فيقصيه يبعده . ( يأتلي ) : يفتعل من الائتلاء وهو التقصير . ( والتبذل ) : بذل ما في الوسع في تحقيق الشيء وعدم التهاون فيه . والمعنى : قد قيل في المثل : كن كالكلب ، الذي هو أخس الحيوانات . كن مثله في الوفاء لأهله والثبات عليه . فإن أهله يبعدونه عنهم ويجيعونه ويضربونه ويؤذونه ، وهو لا يقصر في نصحهم وخدمتهم باذلا في ذلك قصارى وسعه وغاية جهده ، وفي ذلك إشارة إلى ما روى وهب بن منبه أن راهبا أوصى رجلا فقال له : انصح للّه أخلص له حتى تكون كنصح الكلب لأهله ؛ فإنهم يؤذونه ويجيعونه ويأبى إلا أن يحيط بهم نصحا . والمقصود من البيت : الحث على بذل الجهد في طاعة اللّه عزّ وجلّ وعدم التراخي فيها ، مهما ابتلي الإنسان في الدنيا فإن اللّه عزّ وجلّ لا يبتلى عبده في هذه الحياة بفقر أو مرض إلّا ليكفر ذنبه ، أو يرفع في الآخرة درجته . 91 - لعلّ إله العرش يا إخوتي يقي * جماعتنا كلّ المكاره هوّلا 92 - ويجعلنا ممّن يكون كتابه * شفيعا لهم إذ ما نسوه فيمحلا اللغة : ( الوقاية ) : الحفظ . و ( المكاره ) : جمع المكروه على غير قياس . و ( هوّلا ) جمع هائل بمعنى مخيف مفزع ، وهو منصوب على الحال من المكاره ، ويقال : ( محل به )