عبد الفتاح عبد الغني القاضي
31
الوافي في شرح الشاطبية
84 - بنفسي من استهدى إلى اللّه وحده * وكان له القرآن شربا ومغسلا 85 - وطابت عليه أرضه فتفتّقت * بكلّ عبير حين أصبح مخضلا اللغة : ( استهدى ) : طلب الهداية . ( الشرب ) : النصيب المقسوم من الماء . ( المغسل ) : مكان الغسل . ( فتفتقت ) : انشقت . ( والعبير ) : الزعفران ، أو نوع من الطيب يخلط به . و ( المخضل ) : المبتل . و ( بنفسي ) : متعلق بمحذوف تقديره أفدي . والمعنى : أفدي بنفسي من كل مكروه من توجه في طلب هداية اللّه وحده ، وكان له القرآن بملازمة تلاوته والعمل بما فيه حظه ونصيبه من الدنيا ومطهرا له من أوضار الذنوب . وطابت له الأرض التي تحمله لما عنده من الانشراح ؛ بسبب صلاح حاله مع اللّه تعالى ، وكنى بقوله : فتفتقت بكل عبير ، عن ثناء أهلها عليه ، واغتباطهم به ، أو أن الأرض زكت وكثر خيرها بسبب هذا المستهدي لقيامه بالحق وبطاعة اللّه عزّ وجلّ . وكنى بقوله : مخضلا ، عما أفاض اللّه عليه من نعمه بالمحافظة على حدوده . 86 - فطوبى له والشّوق يبعث همّه * وزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا 87 - هو المجتبى يغدو على النّاس كلّهم * قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا اللغة : ( طوبى ) : فعلى مصدر طاب يطيب ، أصله طيبي ، قلبت الياء واوا ؛ لانضمام ما قبلها . والمعنى : والحالة الطيبة له ، أو طوبى الجنة له ، ف ( طوبى ) : مبتدأ والجار والمجرور خبره والجملة خبرية أو دعائية ، والضمير في ( له ) يعود على المستهدي ( والهم ) : القصد والإرادة ، ( والزند ) : ما يقدح به النار ، و ( الأسى ) : التأسف من أسيت على الشيء أسفت عليه ، وحزنت ، ومنه قوله تعالى : فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ( يهتاج ) : ينبعث ويلتهب و ( مشعلا ) : حال من فاعل يهتاج . والمعنى : العيش الرغد الناعم للمستهدي حين يثير الشوق قصده إلى ما أعده اللّه لأهل طاعته من ثواب جزيل ونعيم مقيم . وحين يحترق قلبه من الأسى والحزن متحسرا على ما ضاع من عمره ، غير مصروف إلى ذكر اللّه تعالى وشكره . وقوله : ( هو المجتبى ) : أي المختار ( يغدو ) : يعني يمر . و ( المستمال ) : الذي يطلب إليه الميل . و ( المؤمل ) : الذي يؤمل ويرجى عنه الشدائد . والمعنى : أن المستهدي هو المختار عند اللّه سبحانه وهو الذي سبقت له الحسنى . يمر على الناس قريبا من اللّه تعالى لإيمانه وإحسانه ؛ ومن الناس بتواضعه لهم وخفض جناحه . غريبا لغرابة مسلكه ، وندرة حاله ، وعزة أشكاله في شدة التمسك بالحق ؛ لأنه كالقابض على الجمر مستمالا يطلب منه من يعرف حاله الميل إليه والإقبال عليه . مؤملا مرجوّا عند نزول الشدائد ليدعوا بكشفها وإزالة آثارها . 88 - يعدّ جميع النّاس مولى لأنّهم * على ما قضاه اللّه يجرون أفعلا