مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

22

الواضح في علوم القرآن

والحساب والجنة والنار ، ويضاف إلى ذلك كله ما تضمّنه القرآن من أحكام قاطعة عن أخبار المستقبل ، وما يجري من أحداث تقع وفق سنن اللّه الاجتماعية في القوة والضعف والعزة والذلة . والذي ينطق بهذا رجل أميّ لم يعرف الكتابة ولم يقرأ في كتاب ، ومع ذلك يتحدّى بما جاء به جميع الناس في كل أرض وفي كل زمان . إن التفسير المنصف لما جاء به هو الإيمان بهذا الاتصال الذي حدث بين الأرض والسماء عن طريق الوحي لتبليغ هداية اللّه ؛ قال تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 - 4 ] . يقول الدكتور محمد عبد اللّه دراز في كتابه ( النبأ العظيم ) : هذا الرأي هو الذي يروّجه الملحدون اليوم باسم ( الوحي النفسي ) زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاءونا برأي علمي جديد ، وما هو بجديد ، وإنما هو الرأي الجاهلي القديم ، لا يختلف عنه في جملته ولا في تفصيله ، فقد صوّروا النبيّ عليه الصلاة والسلام رجلا ذا خيال واسع وإحساس عميق فهو إذا شاعر ، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيرا على حواسه حتى يخيّل إليه أنه يرى ويسمع شخصا يكلّمه ، وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته ووجداناته فهو إذا الجنون أو أضغاث الأحلام ، على أنهم لم يطيقوا الثبات طويلا على هذه التعليلات ، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة ( الوحي النفسي ) حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلة ، فقالوا : لعله تلقّفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة ، فهو إذا قد علّمه بشر . فأيّ جديد ترى في هذا كله ؟ أليس كله حديثا معادا يضاهون به قول جهّال قريش ؟ وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة متّسخة ، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه ، وكان غذاء هذه القلوب المتحضّرة في العصر الحديث مستمدّا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجّرة في عصور الجاهلية الأولى ، قال تعالى : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [ البقرة : 118 ] .