مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
203
الواضح في علوم القرآن
الفصل الثّالث المجاز في القرآن من المعلوم أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وقد يصار إلى المجاز لنكتة بلاغية ، ولا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن ، وهي : كل لفظ بقي على موضوعه ولا تقديم ولا تأخير فيه ، وهذا أكثر الكلام « 1 » . وأما المجاز فالجمهور على وقوعه في القرآن ، وقد اتّفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة « 1 » ، وهو قسمان : الأول - المجاز العقلي ، وعلاقته المشابهة ، وهو واقع في التركيب ، وذلك : أن يسند الفعل أو شبهه إلى غير ما هو له أصالة لمشابهته له . وأمثلة هذا القسم كثيرة في القرآن ، منها : قوله تعالى : فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [ القارعة : 9 ] فتسمية الأم ب ( الهاوية ) مجاز ، أي : كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له ، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع ؛ وهذا فهم سديد ، خصوصا إذا وقفنا عند هذا التركيب وحده ، ولم ننظر إلى ما قبله من الآيات . فإذا نظرنا ما قبله وقرأنا الآيات كلها : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ( 9 ) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ [ القارعة : 8 - 11 ] . تجلّى لنا منها معنى آخر لطيف ، فالأعمال المعنوية جسّمت ووزنت بموازين
--> ( 1 ) انظر الإتقان ( 2 / 753 ) .