مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
169
الواضح في علوم القرآن
واقرأ - أيضا - قوله تعالى : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ [ المؤمنون : 64 - 67 ] . وانظر - بعد ذلك - إلى هذا الكلام الذي يتنزل من عرش الربوبية ، ويغمر النفس بالرهبة والجلال ، هل يمكن لبشر أن يصطنعه اصطناعا ، وأن ينطبق به تمثيلا ، أو يتحلى به تزويرا ؟ ! خامسا - التصوير الفني في القرآن تمهيد : إن القرآن الكريم حين يخاطب العقلاء ، إنما يخاطب فيهم عقولهم ، كما يثير فيهم مشاعرهم وأحاسيسهم ، بأسلوبه الفذ ، وبيانه المعجز ، وموسيقاه الساحرة ، فيجعل المخاطب يتخيل المعنى المجرد صورة ناطقة يتحسس فيها الحركة والحياة . وإذا كان التصوير تثبيتا للظل الصامت ، أو مجموعة خطوط وألوان متجمعة ، تضع أمام الرائي لوحة قد تثير في ذهنه معنى من المعاني ، أو تنقل إلى مخيلته مشهدا من المشاهد ، فإن التصوير القرآني أوسع من هذا بكثير : فهو تحويل الحروف الصوتية الجامدة إلى ريشة تنبع من رأسها الأصباغ والألوان المختلفة ، حسب الحاجة والطلب ، لتحيل - بدورها - المعاني المعتادة إلى صور يتأملها الخيال ، ويدركها الشعور ، وتكاد العين أن تستوعبها قبل أن يستوعبها العقل . وهو - كما يقول صاحب كتاب التصوير الفني في القرآن - تصوير باللون ، وتصوير بالحركة ،