مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

170

الواضح في علوم القرآن

وتصوير بالتخييل ، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل . وكذلك : هو تصوير حي ، منتزع من عالم الأحياء ، لا ألوان مجردة وخطوط جامدة ، تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانات ، فالمعاني ترسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حية ، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع عليها الحياة . 1 - مظاهر التصوير الفني في القرآن ووسائله : أ - مظاهره : إن المتتبع لنصوص كتاب اللّه تعالى ، والممارس لتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ، ليلمس التصوير القرآني يتدرج في مظاهر متعددة ، وهي : 1 - إخراج مدلول اللفظ من دائرة المعنى الذهني المجرد إلى الصورة المحسوسة والمتخيلة : فهو يعبر عن المعنى الذهني بالصورة المحسوسة المتخيلة ، فيكون الخطاب أوقع في النفس ، وأقوى في التأثير ، وأدعى إلى القبول ؛ إذ يجعل الحس يتأثر عن طريق الخيال بالصورة ما شاء له التأثر ؛ فيستقر المعنى في النهاية في أعماق النفس . وخذ مثالا على ذلك : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [ الأعراف : 40 ] وانظر كيف ترسم في الخيال صورة لتفتح أبواب السماء ، وأخرى لولوج الجمل - وهو ذكر الجمل أو الحبل الغليظ - في سم الخياط ، ويترك الحس يتأثر - عن طريق الخيال - بالصورتين ما شاء له التأثر ، ليستقر في النهاية معنى استحالة قبول هؤلاء المكذبين المستكبرين عن آيات اللّه تعالى . ويدخل في هذا المظهر تصوير الحالات النفسية والمعنوية : فالتصوير القرآني كما أنه يخرج المعاني الذهنية بصورة حسية ، كذلك يخرج الحالات النفسية والمعنوية صورا شاخصة أو متحركة ، ويعدل بها عن التعبير