مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

166

الواضح في علوم القرآن

ثانيا - الكلمة القرآنية تمتاز الكلمة التي تتألف منها الجمل القرآنية بالميزات التالية : أ - جمال توقيعها في السمع : فليس في القرآن لفظ ينبو عن السمع ، أو يتنافر مع ما قبله أو ما بعده ، فالكلمة القرآنية في الذروة من الفصاحة ، وهي تحمل المعنى في طياتها ، واقرأ إن شئت قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها [ النازعات : 27 - 29 ] وانظر إلى كلمة ( أغطش ) كيف أنها تقدم لك المعنى في تلافيف حروفها قبل أن تقدمه في معناها اللغوي المحفوظ ، وفي الوقت نفسه هي منسجمة مع ما قبلها وما بعدها من الألفاظ ، لا ثقل فيها ولا إغراب ، وكذلك بقية ألفاظ الآية ، فكلها توقع على السمع موسيقا رائعة في منتهى الجمال . ب - اتساقها مع المعنى ، وكأن القارئ يشم منها رائحة المعنى المطلوب ، أو يلحظ فيها إشراقا يصور المعنى أمام العين . اقرأ قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ [ التكوير : 17 - 18 ] ثم انظر كيف أنك تشم رائحة النهار من كلمة ( تنفس ) . ج - اتساع دلالتها ، لما لا تتسع له دلالات الكلمات الأخرى من المعاني والمدلولات عادة ، بحيث يعبر بكلمة واحدة عن معنى لا يستطاع التعبير عنه إلا ببضع كلمات أو جمل . وخذ مثالا على ذلك قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ [ الواقعة : 71 - 73 ] . أراد اللّه تعالى أن يحدثنا في هذه الآية عن مظاهر نعمته علينا ، ومن جملتها النار ، فنبهنا إلى مختلف فوائدها لحياتنا على اختلاف أطوارها ، فعبر عن ذلك بكلمة ( المقوين ) التي تحمل كل المعاني التي يمكن أن يعبر بها عن فوائد النار ، فهي : جمع مقو ، وهو المسافر ، والجائع ، والمستمتع ، والنار إنما يستفيد