مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

167

الواضح في علوم القرآن

منها المسافر ، كما يحتاجها الجائع لتحضير طعامه ، وهي إلى جانب ذلك كله من أسباب المتعة والرفاهية . وهذه الميزات الثلاث قلما يتخلف اجتماعها في كلمات القرآن ، بينما لا تجتمع في غيره إلا نادرا ، وما ذاك إلا لأن القرآن من كلام رب العالمين . ثالثا - الجملة القرآنية وصياغتها ويتجلى مظهر الإعجاز فيها بما يلي : أ - التلاؤم والاتساق بين كلماتها ، وتلاحق حركاتها وسكناتها ، بنظم بديع يستريح له السمع والصوت والنطق . واقرأ إن شئت قوله تعالى : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [ القمر : 11 - 12 ] وتأمل تناسق الكلمات في كل جملة ، وتأمل أيضا تآلف الحروف وتعاطف الحركات والسكنات والمدود ، وانظر كيف أن كلا منها كأنما صب في مقدار ، وأنه قدر بعلم اللطيف الخبير . ب - الدلالة بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل ، دون اختصار مخلّ أو ضعف في الدلالة . واقرأ في هذا قوله تعالى في سورة الكهف : حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها [ الكهف : 77 ] فكان الإتيان بالضمير هنا يؤدي المعنى ، كأن يقال : استطعماهم ، ولكن الإتيان بالاسم الظاهر - وهو أهلها - يفيد معنى أعم وأوسع ؛ لأنه جمع مضاف يفيد العموم ، فيدل على أنهما استطعما جميع أهل القرية ، بخلاف ( استطعماهم ) فإنه يحتمل أن الاستطعام كان لمن أتياهم ، وهم سكان أول القرية . ج - إخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس ، ثم بث الروح والحركة في هذا المظهر نفسه ، بحيث يجد القارئ إقناع العقل وإمتاع العاطفة ، بما يفي بحاجة النفس البشرية تفكيرا ووجدانا في تكافؤ واتزان ، فلا تطغى