مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
106
الواضح في علوم القرآن
ولم تمض سنتان على وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى كان عمل أبي بكر رضي اللّه عنه ، الذي جمع القرآن في صحف مجتمعة بين دفتين ، وحفظ بذلك على الأمة كتابها المنزل ، من أن يضيع منه شيء بذهاب الحفظة من الرجال والضابطين من القراء . ولم يمض على وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمسة عشر عاما حتى كان عمل عثمان رضي اللّه عنه ، ذاك العمل المبارك الميمون ، الذي جمع الأمّة على كتاب اللّه تعالى ، كتابة وأداء ، وقطع من بينها دابر الاختلاف والنزاع في قرآنها ، وصان كلام اللّه المحكم من أي خطأ أو زلل . اهتمام الأمة وتشدّدها في كتاب اللّه عزّ وجلّ : وكل ذلك يجري والمسلمون يقفون ذلك الموقف المتشدّد من كتاب اللّه تعالى ، خشية أن يزاد فيه شيء أو ينقص ، أو يظن منه ما هو دخيل عليه ، فلا يقبلون أن يزاد فيما بين دفتي المصحف ما ليس بقرآن حتى ولو كان رموزا وعلامات ، يسترشد بها لقراءة كتاب اللّه عزّ وجلّ . فهذا ابن مسعود رضي اللّه عنه الصحابي الجليل يقول : جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء « 1 » . وإنما قال ذلك خشية أن يظنّ الناس ما ليس بقرآن قرآنا . ولم يمض على وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خمس وأربعون سنة حتى كان ذلك العمل العظيم ، الذي تناول رسم القرآن شكلا ونقطا وتحسينا يساعد على الأداء الصحيح ، ويحفظ كتاب اللّه تعالى من أن يناله تحريف أو تبديل في لفظه أو معناه ، حين اضطرت الظروف إلى ذلك ، وكثرت العجمة ، وفشا اللحن ، وأصبح النقط والشكل عندها أمرا لا مناص منه ، بل هو شيء مستحبّ ومندوب إليه بعد أن كان مكروها
--> ( 1 ) فضائل القرآن ؛ لأبي عبيد ( ص 392 ) .