محمود محمد الحنطور
55
النسخ عند الفخر الرازي
عابوا على محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - شيئا قد وقع بالفعل ، ونفذ عبادة وطاعة في تغيير القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام ، فالتوجه واستقبال القبلة كان واجبا ثم زال ذلك الواجب إلى البيت الحرام ، ألا يدل ذلك على وقوع النسخ ، وتغير الواجب إلى مثله أو أفضل منه ، وقس على ذلك ما حدث من نسخ في الآيات والأحكام التي نسخت إلى بدل أو إلى بدل أثقل أو أخف أو إلى غير بدل ، وهو كثير في القرآن . قال الرازي « 1 » : والاستدلال بهذه الآية من سورة البقرة على النسخ ووجوده ضعيف ، فالآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، وذلك لأن - ما - شرطية تفيد الشرط والجزاء ، وإن كان هذا الرأي للرازي ، قد خالف فيه الجمهور في حجية الآية في إثبات النسخ ووقوعه إلا أنه يستند إلى آيات أخرى معها مثل الآية السابقة من سورة النحل وقوله تعالى من سورة الرعد : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] ، فهو لا ينكر النسخ ولا وقوعه ، ولكنه يؤكد على أن الأقوى في ثبوت النسخ ووقوعه دون معارضة أو ضعف في الدليل ، أن نعوّل على مجموع الآيات السابقة في إثبات حجتنا ، كي نضمن الرد المقنع على من يخالفنا دون أن ينفذوا إلى أدلتنا بثغرة ولو صغيرة ، فهو مع رأى الجمهور ، وزيادة عليها ما سبق ، وأن النسخ حاصل في القرآن ، ولكن الأدلة لا بدّ أن تجتمع معا حتى لا يستطيع معترض أن يضعفها ، فاقترح أدلة أخرى مع
--> ( 1 ) الرازي : التفسير الكبير 3 / 229 . - الرازي : المحصول 1 / 3 / 445 وانظر تعليق المحقق .