محمود محمد الحنطور
47
النسخ عند الفخر الرازي
يعد النسخ من القضايا المهمة في الشريعة الإسلامية ، وذلك لارتباطه بأوامر الدين ونواهيه من ناحية ، وارتباطه بعقيدة المسلم من ناحية أخرى ، في أن اللّه تعالى هو الخالق والمغير والعالم والسميع والبصير ، ولا تخفى عليه خافية أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] فمن خلق هذا الخلق ، وجعلهم خلفاء الأرض ، وجعل لهم منهجا مستقيما ، وكتابا مبينا قويما ، فيه أحكام هو أعلم بما يصلح عباده منها ، وما لا يصلح ، والزمن الذي يصلح فيه هذا الحكم ، وما لا يصلح في زمن آخر ، وهو أدرى بما ينفع وما يضر ، وهو القادر على أن يبدل الخلق ، وهو القادر على أن يعيدهم بعد موتهم ، أليس بقادر على تغيير ما ينفعهم وما يضرهم في حياتهم ، هذا منطق الصواب ، وصواب النطق أن اللّه - تعالى - هو أعلم بمن خلق من عباده ، وهو أعلم بما يصلح لهم في الدنيا والآخرة ، فإذا غيّر اللّه سبحانه وتعالى شيئا أو بدل أمرا ، أليس له الأمر والملك ؟ فلم لا نؤمن بذلك ، ونريح أنفسنا من العناد ونبعد أفكارنا عن الشقاء الذي وقع فيه الذين تأولوا النصوص الصحيحة الواردة في القرآن في النسخ بخاصة ، أو ردوها منكرين وجود النسخ ، وجعلوه في غير شريعة الإسلام ، مخالفين بذلك جمهور المسلمين سلفا وخلفا في قبول النسخ دون تعليل أو تغيير ، لأنه أمر وارد بصريح النص القرآني ، وصحيح السنة النبوية ، وإجماع العقلاء من المسلمين قديما وحديثا ، فلا عبرة للمخالفين ، ولا دليل عندهم يعلو على ما سبق من أدلة نقلية وعقلية غير ما وقعوا فيه من التأويل والتخصيص ، ونفى وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية ، وهي آراء