محمود محمد الحنطور

39

النسخ عند الفخر الرازي

أهل شريعة سابقة تناسوا هذا الضرب من التشريع ، جاءت الشريعة اللاحقة بمثله أي أعادت مضمونه تذكيرا له وتأكيدا عليه . والنوع الثاني من التشريعات الموقوتة بآجال طويلة أو قصيرة ، فهذه تنتهى بانتهاء وقتها ، وتجئ الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة ، وهذا والله أعلم هو تأويل قول الله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 106 ] . فكل شريعة جديدة تحافظ على الأسس الثابتة التي أرستها الشريعة السابقة في التوحيد والعقيدة ، ثم تزيد عليها ما يشاء الله زيادته من تشريعات أو حلال وحرام ، فمثلا شريعة التوراة عنيت بوضع الأسس والمبادئ الأولية لقانون السلوك ، لا تقتل ، لا تسرق ، فطابعها تحديد الحقوق ، وطلب العدل والمساواة بين الناس ، ثم نرى شريعة الإنجيل تقرر هذه المبادئ وتؤكدها ، ثم تزيد عليها ، وتترقى بآداب مكملة يبرز فيها التسامح والرحمة والإيثار والإحسان ، وأخيرا تأتى الشريعة الإسلامية فتقرر المبدأين معا في نسق واحد : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] . فتقدر لكل مبدأ درجته في ميزان القيم الإسلامية ، ومميزة بين المفضول منها والفاضل ، وهكذا في سور القرآن مثل سورة النور والحجرات والمجادلة وغيرها من السور التي صاغت قانون اللياقة في السلوك الكريم للمجتمعات الرفيعة من التحية ، والاستئذان ، والمجالسة ، والمخاطبة ، إلى غير ذلك من إضافة أحكام وتغيير أخرى ، فالحاصل أن الشرائع السماوية يكمل بعضها بعضا ،