العلامة المجلسي
126
بحار الأنوار
وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء . فلا إله إلا هو ، أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور . أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش ، وأسبغ عليكم المعاش ، ولو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما ، أو لدفع الموت سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود الذي سخر له ملك الجن والإنس مع النبوة ، وعظيم الزلفة ، فلما استوفى طعمته ، واستكمل مدته ، رمته قسي الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطلة وورثها قوم آخرون . وإن لكم في القرون السالفة لعبرة ، أين العمالقة وأبناء العمالقة ؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ؟ أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفأوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الجبارين ؟ أين الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن ؟ ! [ و ] منها : قد لبس للحكمة جنتها ، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها ، والمعرفة بها ، والتفرغ لها ، وهي عند نفسه ضالته التي يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه بقية من بقايا حجته ، خليفة من خلائف أنبيائه . ثم قال عليه السلام : أيها الناس ! إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ بها الأنبياء أممهم ، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا ، لله أنتم أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل ؟ ! ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبرا ، وأزمع الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى .