بن عيسى باطاهر

99

المقابلة في القرآن الكريم

الحلال والحرام صار غامضا على الناس « إذ ظن الجهال أنّ الحلال مفقود ، وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود ، وإنه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات ، والحشيش النابت في الموات ، وما عاداه فقد أخبثته الأيدي العادية ، وأفسدته المعاملات الفاسدة ، وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات ، لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات ، فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا ، ولم يدركوا بين الأموال فرقا وفضلا ، وهيهات هيهات ، فالحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات » « 1 » . وهذا الذي يشكو منه الغزالي في واقع زمانه من اختلال الموازين في مسألة الحلال والحرام ، وبعد الناس عن فهم مقتضى الشريعة ، وعدم وضوح الرؤية في التمييز بين الخير والشر ، هو نفسه ما تتميّز به الفلسفة الحديثة في بعض جوانبها حيث أنها جعلت من الإنسان حكما على الحلال والحرام وجعلت منه مشرّعا لقوانين الحياة دون ضابط من دين . وأما في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية فقد جاءت النصوص لتحدد الحلال والسبل المؤدية إليه ، وتبيّن الحرام والطرق المفضية إليه ، وجعلت حق التحليل والتحريم للّه وحده ، وجاءت هذه النصوص لتقرر بأن الحلال بيّن وأن الحرام بيّن ، وذلك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس » « 2 » . ومعنى « بيّن » أي في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة « 3 » « والأشياء ثلاثة أقسام : حلال بيّن واضح لا يخفى حلّه كالخبز والفواكه والزيت والعسل

--> ( 1 ) نفسه - ص 11 . ( 2 ) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير . ( 3 ) ابن حجر العسقلاني ( - 852 ه ) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري - ط دار المعرفة : بيروت - ج 1 - ص 127 .