بن عيسى باطاهر
100
المقابلة في القرآن الكريم
والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بيّن واضح لا شكّ في حلّه ، وأما الحرام البيّن فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك ، وأما المشتبهات فمعناه أنها ليست بواضحة الحلّ والحرمة ، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها ، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك ، فإذا تردّد الشيء بين الحلّ والحرمة ، ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي » « 1 » . وقد استفاد الغزالي من هذا الحديث بأن هناك حلالا مطلقا وحراما محضا ، « فالحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه ، وانحلّ عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ، ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد ، ويكون هو واقفا عند جمعه ، وأخذه من الهواء في ملك نفسه ، أو في أرض مباحة . وأما الحرام المحض فهو ما فيه صفة محرّمة لا يشكّ فيها ، كالشدة المطربة في الخمر ، والنجاسة في البول ، أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصّل بالظلم والربا ونظائره فهذان طرفان ظاهران « 2 » . إنّ التضاد والتقابل في مجال الحلال والحرام هو الذي يكوّن عناصر الحياة ، ولهذا علاقة بإرادة اللّه في الخلق منذ التكوين الأول ، وقد شاءت إرادته أن يكون الصراع بين الإنسان والشيطان ، بين الحق والباطل ، بين ما هو حلال وما هو حرام . كل ذلك للابتلاء ولتمييز الخبيث من الطيب وليكون الجزاء مناسبا للطريق الذي تختاره النفس البشرية .
--> ( 1 ) النووي - صحيح مسلم بشرح النووي - ط 3 دار إحياء التراث العربي : بيروت 1984 م ج 11 - ص 27 - 28 . ( 2 ) الحلال والحرام - ص 32 .