بن عيسى باطاهر

92

المقابلة في القرآن الكريم

وقال تعالى في بيان صور الخير والشرّ : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ التوبة : 67 ] ، وقال تعالى أيضا : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ التوبة : 71 ] . هاتان الآيتان قائمتان على المقابلة ، فكلّ لفظة من ألفاظهما مقابلة بلفظة هي لها من طريق المعنى بمنزلة الضد ، فالمنافقون والمنافقات تقابل « المؤمنون والمؤمنات » و « بعضهم من بعض » تقابل « بعضهم أولياء بعض » و « يأمرون بالمنكر » تقابل « يأمرون بالمعروف » و « ينهون عن المعروف » تقابل « ينهون عن المنكر » و « يقبضون أيديهم » تقابل يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة » و « نسوا اللّه فنسيهم » تقابل « أولئك سيرحمهم اللّه » ، وغاية هذه المقابلة بيان طبائع النفوس لنموذجين من البشر يمثلان الخير والشرّ في صورة من صورهما ، وسرد صفات هذين النموذجين من البشر سيجعلنا نعرف طبيعة الخير المتمثّل في « المعروف » وما يتبعه من مقتضيات ، ونعرف طبيعة الشر وما يجمعه من صفات وأحوال . والقيم المعنوية التي ترمي إليها هاتان الآيتان المتقابلتان هي : أولا : « أنّ النفاق حالة واحدة وأنّ أصحابه سواء ، وليعلم أن اختراق أحوالهم بين عفو وعذاب لا يكون إلا إذا اختلفت أحوالهم بالإيمان والبقاء على النفاق ، وأن أحوالهم وصفاتهم التي ذكرها اللّه تعالى هي الدالة على استحقاق العذاب » « 1 » . ثانيا : أن المنافقين يجتمع بعضهم مع بعض على النفاق « 2 » وهم متشابهون فيه وصفا وعملا ، وفي كل زمان ومكان .

--> ( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 10 - ص 253 - 254 . ( 2 ) ينظر الماوردي - النكت والعيون ( تفسير الماوردي ) - ج 2 - ص 379 - تحقيق عبد المقصود ابن عبد الرحيم - ط 1 - دار الكتب العلمية : بيروت 1992 .