بن عيسى باطاهر

91

المقابلة في القرآن الكريم

عملية الإقناع والإمتاع ، والملاحظ في هذه الآية أن المعنى مؤدى في صورتين متقابلتين ، صورة تمثّل بنيان الحق والخير الثابت ، وصورة أخرى مناقضة تماما للصورة الأولى وهي لبنيان الكفر والشر المتزعزع . لقد اجتمعت في الآية طريقتان في العرض ، طريقة التصوير وطريقة المقابلة ، وهما طريقتان متكاملتان منسجمتان ، وهذا من خصائص الأسلوب القرآني الذي ينوّع في الوسائل ويعدد في الأساليب ، فحينما تعرض الصورة الأولى ثم الصورة التي تقابلها تقابل تضاد واختلاف ، فإنّ هذا من أقوى الأساليب في التأثير والإقناع ، فالبنيان المتماسك في الصورة الأولى يقابله البنيان المتزلزل في الصورة الثانية ، والتقوى يقابلها الجرف والحصار ، والرضوان يقابله نار جهنم ، وبهذا تكون قد تحققت شروط المقابلة في الجزءين وفي الصورتين . « فلنقف لحظة نتطلع إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن ، ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الكفر إنه قائم على شفا جرف هار ، قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار ، إننا نبصره اللحظة بتأرجح ويتزحلق وينزلق ، إنّه ينهار ! إنّه يهوي ! إنّ الهوة تلتهمه ! يا للهول إنها نار جهنم » « 1 » . وإن صورة البناء المنهار هي صورة القلق وعدم الاستقرار ، وصورة البناء الثابت المتماسك هي صورة الثبات والتماسك والاستقرار ، وهما تتقابلان في اللوحة الفنية العجيبة التي يرسمها التعبير القرآني الفريد ، وتتقابلان في الواقع البشري المتكرر في كل زمان . . « وهذا هو الإعجاز الذي يرسم الواقع النفسي بريشة الجمال الفني ، في مثل هذا التناسق بمثل هذا اليسر في التعبير والتصوير على السواء » « 2 » .

--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 - ص 1711 . ( 2 ) نفسه - ج 3 - ص 1712 .