بن عيسى باطاهر
86
المقابلة في القرآن الكريم
الخير « 1 » ولكنّ هذه الفلسفة تختلف مع النظرة القرآنية إلى الخير والشرّ اختلافا جوهريا ، أما الفلسفة الحديثة فقد عنيت بهذه القضية كما أنّها اهتمت بالإنسان وسلوكه وأخلاقه ، وقد انصبّ اهتمامها على الإنسان ، وأصبح مركز الدائرة التي تدور حولها الفلسفة الحديثة وإذا كان لها نظر إلى المجتمع والروابط التي تربط الفرد بالجماعة فهو نظر جانبي ، ومن هنا كان الحكم على الخير والشر - في تقدير الفلسفة الحديثة - قائما على أساس فردي بحت ، بمعنى أن الفرد - والفرد وحده - هو الذي له أن يحكم على هذا الأمر بأنه خير أو شرّ ، ثم إنه ليس هذا بالذي يمنع من أن يجيء غيره فينقض عليه حكمه ، فيرى ما رآه غيره خيرا شرا ، وما رآه هو عنده خير ، وعلى هذا فهناك - عند الفلسفة الحديثة - خير وشر ، ولكن لا ذاتية للخير والشر ، بل هما اعتباريان ، فالخير ما رآه الإنسان خيرا ، والشرّ ما رآه شرا . . وإنه لا خير ولا شر في حقية الأمر ، وفي هذا يقول الفيلسوف الأمريكي « وليم جيمس » : « إن الإنسان هو مصدر الخير والشر ، والفضيلة والرذيلة . . إن الخير خير بالنسبة له ، والشرّ شر بالقياس إليه ، إن الإنسان هو الخالق الوحيد للقيم في ذلك العالم ، وليس للأشياء قيمة خلقية إلا باعتباره هو » « 2 » . وهذا الرأي هو خلاصة ما ذهبت إليه بعض الفلسفات الحديثة التي اهتمت بالقيم المادية ، وبالمناهج التجريبي اهتماما كبيرا حتى طغت على كل المفاهيم ، وهذا ما جعلها تنظر إلى الإنسان نظرة إكبار وإجلال وتجعله في الموضع الذي لا يستحق ، فقد جعلت منه صانعا للقيم والأخلاق ، وجعلته حاكما ومشرّعا يرى الأمور بمنظار العقل وحده فيحكم على الأشياء والحقائق ويضع الموازين ، فيقول هذا خير وذاك شرّ ، هذا حسن وذاك قبيح ، وهذا ما أدى بالقيم والموازين إلى التناقض والاختلاف ، وإلى سيطرة الأهواء البشرية ،
--> ( 1 ) ينظر : عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 880 . ( 2 ) نفسه ج 3 - ص 884 .