بن عيسى باطاهر

87

المقابلة في القرآن الكريم

والشهوات الإنسانية ، وهذا هو الذي قاد البشرية إلى التيه والضياع ، أمّا المنهج الإسلامي فهو يختلف اختلافا كبيرا عن هذه الفلسفات والمناهج البشرية ، لأنّه منهج إلهي بالدرجة الأولى ، وهو لذلك مختلف عن المناهج البشرية الأخرى في مضمونه وطرق أدائه ، يقول الفخر الرازي رحمه اللّه ( - 606 ه ) : « لقد اختبرت الطرق الكلامية ، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم ، لأنّه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية للّه تعالى ، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضة والمتناقضات ، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفيّة » « 1 » . وهذا الذي ذهب إليه الفخر الرازي بعد طول تأمل ، وكثرة ممارسة هو حقيقة من حقائق القرآن الكريم ، فهو كتاب لا يحفل بالنظر الفلسفي في حقائق الأشياء ، ولا يعنى بالجدل اللفظي حول مفاهيمها ، لأنّ غايته ليست تكوين القدرات العقلية ، ولا تخريج الفلاسفة والمفكرين ، إنّ هدفه هو تربية الإنسان ، وتحسين سلوكه ، وتقويم سلوك الأفراد داخل المجتمعات ، وإقامة المجتمعات على أساس الخير والعدل ، و « من هنا لا نجد في الشريعة الإسلامية تلك التعريفات المانعة للخير والشر ، والحق والباطل ، والحسن والقبيح ، وغير ذلك من الصور التي عني الفلاسفة والأخلاقيون بتحليلها ، والتعرّف على عناصرها وجمع الصفات المميزة لكل واحد منها » « 2 » . إننا نجد في القرآن الكريم اهتماما كبيرا بالجانب العملي للقيم والأخلاق ، واهتماما بثمرة السلوك الإنساني ، إنه يعنى بما ينفع الإنسان في حياته ، ويعنى بالأعمال الصالحة ويحضّ عليها ، ويدعو إلا الأخلاق الكريمة ويجازي عليها بالخير وبالجنّة ، إنه يسعى إلى بناء الإنسان على أسس التقوى والصلاح ، وبناء المجتمع على أسس العدل والرحمة والأخوة .

--> ( 1 ) الفخر الرازي - التفسير الكبير - ج 1 - ص ( م ) . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 885 .