بن عيسى باطاهر
79
المقابلة في القرآن الكريم
الفصل الثالث المقابلة وقضايا الدين والأخلاق ليس من منهجنا في هذا البحث استقصاء جميع المقابلات التي تناولها السياق القرآني فذلك أمر متعذر ، وإنما طبيعة هذا البحث تقتضي منا أن نركّز على المقابلات الكبرى التي عني بها القرآن الكريم ، وهي بمثابة الأصل الذي تتفرّع منه وتندرج تحته باقي صور التقابل ، وسيكون اهتمامنا منصبّا على بيان القيم الفكرية والصور الجمالية التي تبرز من خلال استخدام صور التقابل بأشكاله المختلفة مما يجعلها تحقق غاياتها من الإقناع والإمتاع وأهدافها في التأثير ومزج الأفكار والمعاني بالعقول والقلوب . وقبل البدء في بيان صور المقابلات المختلفة حسب موضوعاتها ومضامينها لا بدّ من التأكيد على أن طريقة العرض التي تعتمد على المقابلة هي إحدى طرق الأداء البارزة في المنهج القرآني ، والتي كان لها الفضل الأكبر في تحقيق أهداف وغايات القرآن الإقناعية والتربوية ، وبتكامل جميع طرق ووسائل القرآن في الإخراج والعرض خرج النصّ القرآني غاية في البيان والبلاغة . وكان معجزا في جميع مستوياته ، ولذلك قال عن نفسه : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [ الزمر : 23 ] . وسنبدأ الحديث في هذا البحث عن بعض القيم الدينية والأخلاقية التي أفرزتها طريقة المقابلة والتي اجتهدنا في اختيارها وتصنيفها وترتيبها حسب القيمة والأهمية ، ونقصد بالقيم الدينية والأخلاقية ما تعارف عليه الدارسون وأهل العلم والمعرفة في مثل هذه المصطلحات ، فالدين بمعناه الواسع هو الشريعة أو الطاعة والانقياد للشريعة « 1 » ، ولكننا سنستعمله هنا بمعنى
--> ( 1 ) ينظر مفردات ألفاظ القرآن - الراغب الأصفهاني - ص 333 .