بن عيسى باطاهر
74
المقابلة في القرآن الكريم
هذه الآية تقابل بين الوحدانية التي عبّر عنها في السياق بالنور ، وبين شرك أهل الكتاب الذي عبّر عنه بالكفر ، وبالإرادة والسعي المستمر لإطفاء نور الوحدانية ، وهذه الآية وردت في سياق الحديث عن اليهود والنصارى ، فهي إذن خاصة بأهل الكتاب وبأوصافهم ونواياهم وبحقيقة الشرك الذي هم عليه ، والذي يناقض التوحيد مناقضة تامة ، قال محمد رشيد رضا : « يريد اليهود والنصارى أن يطفئوا نور اللّه الذي أفاضه على البشر بهداية دين الحق الذي أوحاه إلى موسى وعيسى وغيرهما من رسله ، ثم أتمّه وأكمله ببعثة خاتم النبيين صلى اللّه عليه وسلم بالطعن في الإسلام ، والصد عنه بالباطل ، كما فعلوا من قبل بمثل تلك الأقوال في عزيز والمسيح ، التي لم تتجاوز أفواههم إلى معنى صحيح ، وبما ابتدعه الرؤساء لهم من التشريع ، حتى صار التوحيد الذي أمروا به عندهم شركا والعبد المربوب ربا ، والعابد المألوه إلها ، على تفاوت بين فرقهم في ذلك » « 1 » . وجملة المعنى في هذا التركيب القائم على المقابلة أن اليهود والنصارى يريدون أن يطفئوا نور اللّه الذي شرعه لهداية عباده ، وإنما قطبه الذي تدور عليه جميع عباداته توحيد الربوبية والألوهية ، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية ، واللّه تعالى لا يريد ذلك ، لا يريد في هذا الشأن إلا أن يتم هذا النور « 2 » . ومن كمال بلاغة هذا التعبير « أنه صالح لتفكيك التشبيه بأن يشبّه الإسلام وحده بالنور ، ويشبّه محاولو إبطاله بمريدي إطفاء النور ، ويشبّه الإرجاف والتكذيب بالنفخ ، ومن الرشاقة أن آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه » « 3 » . فالغاية من هذه المقابلة بين الوحدانية والشرك ، إثبات التوحيد ، وفضح الشرك والمشركين ، وبيان الدعائم الواهية التي يقوم عليها ، وبخاصة شرك أهل الكتاب الموصوف بالبعد عن المنهج الإلهي الذي ارتضاه اللّه للعباد .
--> ( 1 ) تفسير المنار - ج 10 ص 383 . ( 2 ) نفسه - ج 10 - ص 386 . ( 3 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 10 ص 171 .