بن عيسى باطاهر
75
المقابلة في القرآن الكريم
ونصل الآن إلى المقابلة الثالثة وهي بين الوحدانية والنفاق التي تناولتها السورة في مواضع كثيرة ، ذلك لأهميتها في الفصل بين الحق والباطل ، هذا الباطل الذي قد يظهر في أشكال مختلفة منها النفاق وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، وهو نوع خطير من أنواع الكفر والضلال ، لذلك أفردت له السورة جانبا مهما بين موضوعاتها ، وتناولته بإسهاب وكشفت عن حقيقته وفضحت أتباعه ، والسورة الكريمة كما هو ملاحظ تتناول النفاق من خلال العناصر البشرية التي تبنّت هذا المنهج في محاربة الإسلام وإبطال التوحيد ، وفي مقابل ذلك تتحدث عن أهل الوحدانية الذين عرفوا حقيقة الإيمان ، وتمسكوا بحبل اللّه ، ووالوا اللّه ورسوله . قال تعالى : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 ) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [ التوبة : 67 - 68 ] . وقال تعالى في مقابل ذلك : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 71 ) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 72 ) [ التوية : 71 - 72 ] . هذه الآيات قائمة على طريقة المقابلة في العرض ، وهي تعرض لنموذجين متقابلين من البشر ، كل نموذج يمثل اتجاها عقديا تهدف الآيات إلى بيانه وتوضيحه ، فالنموذج الأول يمثل المنافقين الذين أبرز صفاتهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، وقبض الأيدي ونسيان اللّه ، أما النموذج الثاني فيمثل المؤمنين الذين صفاتهم تناقض المنافقين ، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويطيعون اللّه ورسوله ، وغاية هذا