بن عيسى باطاهر

66

المقابلة في القرآن الكريم

أما الموضوعات التي تناولتها هذه السورة فكثيرة ومتنوعة ، ولكنها تجتمع كلها تحت محور واحد هو تمييز الحق من الباطل ، وأغلب موضوعات السورة تتصل بأصول الدين وفروعه ، والسنن الإلهية والتشريع ، والحديث عن أحكام القتال ، وما يتعلق به من الاستعداد له ، وأسباب النصر فيه ، وغير ذلك من الأمور الروحية والمالية ، وأحكام المعاهدات والمواثيق ، وأحكام الولاية في الحرب ، وكذا أحوال المؤمنين الصادقين والكفار ، والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب « 1 » . والسورة الكريمة مع كثرة موضوعاتها تهدف إلى تحقيق غرضين أساسيين كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين في العصر الحديث « 2 » ، أولهما : تحديد القانون الأساسي الذي تشاد عليه دولة الإسلام ، وذلك بوضع الأحكام النهائية بين الأمة الإسلامية وغيرها من ملل الشرك والكفر . ثانيا : تصفية المجتمع الإسلامي نفسه بإظهار ما كانت عليه نفوس أتباع النبي صلى اللّه عليه وسلّم حين استنفروا إلى غزو الروم ، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته ، وواقع كل طائفة فيه . وسورة « التوبة » كما يظهر لنا قائمة على قضية مركزية هي تمييز الخبيث من الطيب ، أو الحق من الباطل ، سواء أكان ذلك في علاقة المجتمع الإسلامي مع غيره من مجتمعات الكفر ، أم علاقة الأفراد مع بعضهم داخل المجتمع الإسلامي نفسه ، والصراع بين الحق والباطل هو من المقابلات الكبرى التي تدور حولها كلّ سور القرآن الكريم ، وإنما كان التركيز عليها في سورة « التوبة » باعتبارها آخر ما نزل من القرآن الكريم ، فقد نزلت في ظروف صعبة ، وكان لا بد أن تشمل على أحكام نهائية تحدد الطريق للمسلمين ، وتبيّن الوضع الصحيح لجميع العلاقات في المستقبل ، وتوضح الخطر الداخلي والخارجي الذي يتربص بالحق في كل وقت وحين .

--> ( 1 ) نفسه - ج 10 - ص 147 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 - ص 1564 .