بن عيسى باطاهر
65
المقابلة في القرآن الكريم
قفل من غزوة « تبوك » في رمضان سنة تسع للهجرة عقد العزم على أن يحجّ في شهر ذي الحجة من عامه ، ولكنه كره - عن اجتهاد أو بوحي من اللّه - مخالطة المشركين في الحج معه ، وسماع تلبيتهم التي تتضمن الإشراك باللّه ، أي قولهم في التلبية : « لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك » ، وطوافهم عراة ، وكان بينه وبين المشركين عهد لم يزل عاملا لم ينقض ، فأمسك عن الحجّ تلك السنة ، وأمر أبا بكر الصديق على أن يحج بالمسلمين ، وأمره أن يخبر المشركين بأن لا يحج بعد عامه ذلك مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . وأكثر الأقوال على أن سورة « براءة » نزلت قبل خروج أبي بكر من المدينة ، فكان ما صدر عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم صادرا عن وحي لقوله تعالى في هذه السورة : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) [ التوبة : 17 - 18 ] ، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم صالح قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب بعد عشر سنين يأمن فيها الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، فدخلت خزاعة في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ودخل بنو بكر في عهد قريش ، ثم عدت بنو بكر على خزاعة بسبب دم كان لبني بكر عند خزاعة قبل البعثة بمدة ، واقتتلوا فكان ذلك نقضا للصلح ، واستصرخت خزاعة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فوعدهم بالنصر ، وتجهّز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لفتح مكة ثم حنين ثم الطائف ، وحجّ بالمسلمين تلك السنة سنة ثمان « عتّاب بن أسيد » ، ثم كانت غزوة « تبوك » في رجب سنة تسع ، فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من تبوك أمّر أبا بكر الصديق على الحجّ ، وبعث معه بأربعين آية من صدر سورة « براءة » ليقرأها على الناس ، ثم أردفه بعلي بن أبي طالب ليقرأ على الناس ذلك « 1 » .
--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 155 .