بن عيسى باطاهر

62

المقابلة في القرآن الكريم

ومن ذلك الحين نصب الشيطان نفسه طاغوتا في مواجهة اللّه ، ليتخذه الإنسان معبودا ومتبوعا من دون اللّه ، وهو يستخدم لذلك وسائله الكثيرة لإبعاد الإنسان عن العقيدة ، وهو لا يملّ ولا يكلّ بل يبقى في صراع دائم حتى نهاية الإنسان ، ولهذا حذّر القرآن الكريم في سور كثيرة منه ، وجعله العدو الأول للإنسان قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً [ الإسراء : 53 ] ، وقال أيضا : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ البقرة : 208 ] ، وقال أيضا : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ يس : 60 ] ، وقال أيضا : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ الأعراف : 27 ] ، وقال أيضا : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 268 ] . فالشيطان اللعين هو الطاغوت الأول ، والعدو الأكبر للإنسان ، وهو وراء كل الطواغيت التي عرفها البشر من حيث وجودها وانتشارها ، وقد اكتسب الشيطان صفة الطاغوت بعد ما جعل نفسه مقابلا للّه تعالى في صفات العبادة والاتباع ، وأصبح هدفه الأول هو إبعاد النّاس عن التوحيد ، وهو في ذلك مثابر لا ييأس أبدا ، ومن هذا المفهوم قال الرسول صلى اللّه عليه وسلّم : « إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدا ، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به » « 1 » . وسيبقى الشيطان طاغوتا متخفيا وراء كل الطواغيت التي اتخذها البشر في مقابل الخالق - عز وجلّ - وقد شاءت حكمة اللّه أن يبنى الكون كله على التقابل بين الأشياء ، فكل ما في الأرض من متناقضات ومتضادات حيّرت الفلاسفة

--> ( 1 ) ناصر الدين الألباني - صحيح سنن الترمذي - ج 2 - ص 230 .