بن عيسى باطاهر

61

المقابلة في القرآن الكريم

وتنكشف حقائق الأشياء . . إذ لولا الظلام ما عرف النور ، ولولا الشر ما استبان الخير ، وهكذا كل ضدّ يكشف عن ضده ، وبضدها تتميّز الأشياء » « 1 » . وقد ذكر لفظ « الشيطان » في القرآن الكريم في ثمانية وستين موضعا ، وفي جميع هذه المواضع لا يذكر « الشيطان » إلا في مقام العداوة والغواية للإنسان ، ويحذر القرآن منه أشد التحذير ، وينبّه الإنسان إلى أنه لا سلامة في الدنيا والآخرة إلا إذا عرف حقيقة هذا العدو ، وواجهه بقوة الإيمان ، فالشيطان اللعين يلبس صورة الطبيب يقدّم الدواء ، والصديق يمدّ يد العون وهو يعمل بكل الوسائل مع أهل الإيمان والتقوى لإبعادهم عن التوحيد ، قال تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [ يس : 60 - 61 ] . فالشيطان في صراع دائم مع الإنسان ، وهو لا يريد شقاءه في الدنيا فحسب ، بل يريد إخلاده في نار جهنّم ليشاركه مصيره الذي انتهى إليه يوم عصى ربّه ورفض السجود لآدم - عليه السلام - « 2 » . قال تعالى : قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) [ الأعراف : 16 - 17 ] . والشيطان برفضه أمر اللّه سبحانه بالسجود لآدم استحق حكم اللّه عليه باللعنة والطرد ، لكنه طلب من اللّه أن ينظره ولا يعجل بإهلاكه وأن يدعه وآدم وذرية آدم ، ليقيم لنفسه حجّة على اللّه تعالى أنه كان محقّا في امتناعه عن السجود لآدم ، لأن آدم - كما قدّر هذا اللعين - ليس أهلا لهذا التكريم من اللّه ، لأنه سيعصي اللّه ، ويخرج من ذريته من يحادّون اللّه ويكفرون به ، وقد أملى اللّه لهذا اللعين ، ومدّ له في حبل الغرور « 3 » .

--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 235 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - الشيطان والإنسان - ص 24 ، 25 . ( 3 ) عبد الكريم الخطيب - الشيطان والإنسان - ص 20 .