بن عيسى باطاهر

50

المقابلة في القرآن الكريم

المحسّنات المعنوية التي تأتي لغرض بديعي فحسب ، ثم إنهم اشترطوا لها شروطا وعدّوا لها أنواعا كثيرة ، وقد اتسمت دراستهم بالنظرة الجزئية الضيقة ، وبالمرور السريع على أسلوب بارز يشكل ظاهرة واضحة في القرآن الكريم . ثانيا : من المسائل التي ثار حولها جدل قديما مسألة المعنى وعلاقته باللفظ ، وأيهما مقدّم في البلاغة والفصاحة ، وهي مسألة أرهقت الدارسين حتى جاء « عبد القاهر الجرجاني » ( - 470 ه أو 474 ه ) بنظرية النظم ، وحدد معالمها في كتابه « دلائل الإعجاز » « 1 » وذهب إلى أن الفنون البلاغية مرتبطة بالنظم أشدّ الارتباط ، ومن خلاله تحقق أثرها في التعبير ، وتمدّه بالجمال والتأثير « 2 » ، و « أيا ما كانت تلك الجهود التي بذلت في التفسير ، وفي مباحث البلاغة والإعجاز فإنها وقفت عند حدود عقلية النقد العربي القديمة ، تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة ، فتحلّله وتبرز الجمال الفنيّ فيه - إلى الحد الذي تستطيع - دون أن تتجاوز هنا إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله » « 3 » . أما في العصر الحديث فقد اهتم بعض الدارسين بالخصائص العامة للأسلوب القرآني ، ونظروا نظرة كلية إلى النصوص ، ولكن بقيت قضية المعنى وطريقة عرضه متناولة ، فقد رأى سيد قطب أن طريقة القرآن في العرض هي التي أبرزت المعاني ، « فبعض الناس حين ينظر في هذه الموضوعات ويرى ما فيها من دقة وعظمة ، وصلاحية ومرونة ، وإحاطة وشمول ، يحسبها ميزة القرآن الكبرى ، ويحسب أن طريقة التعبير تابعة لها ، وأن الإعجاز كله كامن فيها ، كما أن بعضهم يفرّق بين المعاني وطريقة الأداء ، ويتحدث عن إعجاز القرآن في كلّ منهما على انفراد ، أما نحن فنريد أن نقول : إن الطريقة التي اتبعها القرآن في

--> ( 1 ) دلائل الإعجاز - تحقيق محمود شاكر - ط مكتبة الخانجي : القاهرة 1984 م ص 55 . ( 2 ) عبد الغني بركة - أسلوب الدعوة القرآنية - ط 1 دار غريب : القاهرة 1983 م ص 78 . ( 3 ) سيد قطب - التصوير الفني في القرآن - ص 34 .