بن عيسى باطاهر

47

المقابلة في القرآن الكريم

6 - ظاهرة « التنويع » في عرض الوحدانية : إنّ الوحدانية التي تحدّد معناها فيما سبق هي إفراد اللّه بالخلق والأمر ، وتخصيصه وحده بالخضوع والعبادة ، وقد أخذت في القرآن المساحة الكبرى ، فقارئ القرآن لا يكاد يمر بآية إلّا ويجد فيها حديثا مباشرا أو غير مباشر عن اللّه وصفاته وعظمته ومشيئته ، وتدبيره للكون ، وتنظيمه للكائنات ، بل سيجده - تعالى - وراء كل حركة أو توجيه أو سنّة كونية ، ومثل هذا الحديث المتنوّع لا مثيل له في كلام البشر ، قال اللّه : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [ الزمر : 23 ] . فالقرآن الكريم موصوف بحسن الحديث وكونه متشابها مثاني ، أما وصفه بالحديث الحسن « فلأنّه اشتمل على أفضل ما تشتمل عليه الأخبار من المعاني النافعة ، والجامعة لأصول الإيمان والتشريع والاستدلال ، والتنبيه على عظم العوالم والكائنات ، وعجائب تكون الإنسان والعقل وبثّ الآداب ، وغير ذلك من المعاني » « 1 » ، وأمّا كونه « متشابها مثاني » فمعانيه متشابهة في صحتها وأحكامها ، وابتنائها على الحق والصدق ، وهي معاني مثنّاة أي مكرّرة مرات ومرات ، وفي كل مرة تجد أسلوبا جديدا ، وروحا جديدة ، وعرضا جديدا بشكل عجيب مدهش ، غير مستطاع للبشر ، وهذا وحده مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن الكريم » « 2 » . فالقرآن الكريم يصف نفسه بوصف « المثاني » ويعني « التنويع » في عرض الحقائق والأفكار ، وهو أسلوب معجز لا يستطيعه البشر ، وقد كان موقف المستشرقين ومن لفّ لفهم أن أنكروا هذا الأسلوب ، وعدّوه تكرارا لا يليق بمستوى البلاغة والفصاحة ، وكان إنكارهم هذا دليلا على سوء طبعهم وفساد طويتهم ، وعجزهم عن تذوق جمال اللغة العربية « 3 » .

--> ( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ط الدار التونسية للنشر 1984 ج 23 ص 385 . ( 2 ) سعد حوى - الأساس في التفسير - ط 1 دار السلام للطباعة 1985 م ج 9 ص 4871 . ( 3 ) فضل حسن عباس - قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية - ص 141 .