بن عيسى باطاهر
48
المقابلة في القرآن الكريم
أما العارفون بدقائق اللغة العربية فيرون في هذا الأسلوب لونا من ألوان الإعجاز البياني ، والقرآن الكريم يلجأ إليه لعرض قضاياه في قوالب بيانية متنوعة تحقيقا لأغراض وقيم فكرية وجمالية كثيرة ، ولذلك عدّ من أساليب الإقناع في القرآن الكريم « 1 » . فقضية الوحدانية هي من القضايا التي تنوّع عرضها في القرآن الكريم بأساليب كثيرة ، وطرق متنوعة لتحقيق أغراض تربوية وإقناعية ، والقرآن الكريم يهدف إلى تغيير النفوس ، ومزج الحقائق بالقلوب ، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بالتنويع والتكرير ، والضرب على أوتار النفوس المختلفة ، والمتباينة في طبائعها وتكوينها النفسي والفكري . إنّ التعامل مع النفس البشرية بجميع قواها لغايات الإقناع والتغيير ، والاستجابة والتأثير ، يقتضي التنويع في الأساليب والوسائل التي لها قدرة على تحريك هذه القوى ، فالضرب على أوتار النفس المتعددة من شأنه أن يخضع النفس ، ويقهر تفوقها في الجدل . وقد كان التنويع في عرض قضية الوحدانية أمرا مقصودا في طرق الأداء لتلبية حاجات النفوس ، وهو تنويع يشبه التنويع الذي نستطعمه لمذاق السكر في الفواكه المختلفة ، يقول محمد عبد اللّه دراز : « والأعجب في القرآن أنّه مع كونه أكثر الكلام افتنانا وتنويعا في الموضوعات هو أكثره افتنانا وتلوينا في الأسلوب في الموضوع الواحد ، فهو لا يستمر طويلا على نمط واحد من التعبير ، كما أنه لا يستمر طويلا على هدف واحد من المعاني ، ألا تراه كما ينتقل في السورة الواحدة من معنى إلى معنى ينتقل في المعنى الواحد بين إنشاء وإخبار ، وإظهار وإضمار ، واسمية وفعلية ، ومضيّ وحضور ، واستقبال وتكلّم ، وغيبة وخطاب ،
--> ( 1 ) بن عيسى عبد القادر با طاهر - أساليب الإقناع في القرآن الكريم - رسالة الماجستير - الجامعة الأردنية 1990 ص 79 .