بن عيسى باطاهر
46
المقابلة في القرآن الكريم
إنّ الكون بما فيه هو قرآن صامت ، يحثّ القرآن الكريم على استنطاق آياته لتكون دليلا على عظمة الخالق - عزّ وجلّ - قال تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ الأعراف : 185 ] ، وقال تعالى أيضا : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ العنكبوت : 20 ] . وهذا النظر الذي يدعو إليه القرآن الكريم ، وهذا الحديث عن الآيات الكونية هو للفت النظر إلى أن هذه الأرض ، وهذا الكون الدقيق الصنع هو من إبداعه وتكوينه تبارك وتعالى ، وأنّ الذي خلق هذه الموجودات بعجائبها وغرائبها ، وتفرّد بعلمه وتكوينه وعظمته وألوهيته لا يصحّ أن يعبد معه أحد سواه ، قال تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] ، فقد عرض القرآن الكريم هذه الآيات في سياق الاستدلال على وحدانية اللّه ، وتفرّده بالعظمة والجلال . وحين يعرض القرآن الكريم الوحدانية من خلال مظاهر الخلق والإبداع في الكون يشير في مقابل ذلك إلى العجز التام للأنداد التي اتخذها البشر آلهة من دون اللّه عن أن يكون لها آثار فاعلة في هذا الوجود ، ويعقد القرآن مقابلة رائعة - وهي الطريقة التي سيتّبعها القرآن في عرض قضاياه - بين آثاره تعالى في الوجود ، وآثار غيره من الأنداد . قال تعالى : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ النمل : 59 - 64 ] .