بن عيسى باطاهر
41
المقابلة في القرآن الكريم
التضارب عنده هو اختلاف ما يعتري الإنسان من الحالات النفسية التي صوّرتها ظواهر الآيات « 1 » . ويرى بعض المفكرين الغربيين أنّ الفطرة البشرية مجبولة على الشر ، وأنّ طبيعتها التناقض « 2 » وهو رأي لا سند له إلا ما قد يرى في الواقع من ظلم وفساد ، وهو رأي يخالف النصوص الشرعية في مصدري الإسلام : القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة ، فقد أكّد القرآن الكريم على أن الدين هو الفطرة ، وهو الوحدانية ، قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الروم : 30 ] . فقد لازم اللّه في هذه الآية بين الدين والفطرة على « أنّه عينها - أصلا وجوهرا ومقتضيات - وقرّر صراحة أيضا أنه لا تناقض بينهما ، وأنّه « الدين القيّم » ، فالفطرة قيّمة ، وأنه « لا تبديل لخلق اللّه » فلا تبديل لشرع اللّه ، مما يوحي أيضا بأنه لا يجوز الخروج عن مقتضياتها ، فالقرآن الكريم إذ يعقد هذه المقابلة ، ويؤكد تلك القضايا ، ولوازمها المنطقية فإنما يقصد إلى تبيين « وجه الحقّ » في جوهر الفطرة الإنسانية ، وأنها مفطورة أصلا على الخير المحض « 3 » . فالوحدانية هي الفطرة نفسها التي فطر اللّه النّاس عليها في أصل نشأتهم ، وأما ما يحدث لهذه الفطرة من انحراف عن هذا الأصل - وهو سبب الإشراك باللّه - فهو بسبب ما يعتريها من حالات نفسية ، وعوامل خارجية مؤثرة ، ولا سيّما في المراحل المبكرة للنشأة الأولى ، وما يسود فيها من أعراف ، وتقاليد موروثة
--> ( 1 ) فتحي الدريني - دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر - ط 1 دار قتيبة : بيروت 1988 م - ج 2 - ص 486 . ( 2 ) نفسه - ج 2 - ص 487 . ( 3 ) فتحي الدريني - دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر - ج 2 - ص 492 .