بن عيسى باطاهر
40
المقابلة في القرآن الكريم
فمذهب جمهور علماء السلف هو أنّ أصل الفطرة المترسّبة في أعماق النفس البشرية هو التوحيد والاعتراف باللّه ربا وخالقا ، وهذا ما تريد الآيات القرآنية تقريره « 1 » ، لكنّ بعضا من علماء الإسلام خالف الرأي ، وذهب إلى أن الفطرة الإنسانية قابلة للخير والشر في أصل جبلّتها ، وهذا رأي ابن حزم الظاهري ( - 456 ه ) حيث قال : « من خلق اللّه تعالى الإيمان في قلبه ولسانه فهو مؤمن صحيح الإيمان . . . وكذلك الكفر أيضا من خلق اللّه تعالى الكفر في قلبه ، أو خلقه على لسانه فهو كافر محض » « 2 » . ويرى ابن خلدون ( - 808 ه ) أن الفطرة البشرية قابلة للخير والشر ، لكنها إلى الخير أقرب ، قال في المقدمة : « لما كان طبيعيا للإنسان ، لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلنا ، وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشرّ ، بأصل فطرته ، وقوته الناطقة العاقلة ، لأن الشر إنما جاء من قبل القوى الحيوانية فيه ، وأما من حيث هو فهو إلى الخير وخلاله أقرب » « 3 » . أما الإمام الغزالي ( - 505 ه ) فآراؤه متضاربة في تحديد طبيعة الفطرة البشرية ، فتارة يرى أنها صالحة لقبول الخير والشر ، قال - رحمه اللّه - « والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ، ولقبول آثار الشيطان صلاحا متساويا ليس يترجّح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها » « 4 » . وتارة أخرى يرى أنها مفطورة على الشرّ ، وتارة يرى أنّها خيّرة بطبعها ، والظاهر أن منشأ هذا
--> ( 1 ) ابن الوزير ( - 840 ه ) - إيثار الحق على الخلق - ط 1 دار الكتب العلمية : بيروت 1983 ص 21 . ( 2 ) رسائل ابن حزم - تحقيق إحسان عباس - ط 1 المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1981 م ج 3 - ص 201 . ( 3 ) المقدمة - ط دار إحياء التراث العربي : بيروت - ص 106 . ( 4 ) إحياء علوم الدين - تحقيق سيد إبراهيم - ط 1 دار الحديث : القاهرة 1992 م ج 3 ص 45 .