بن عيسى باطاهر
39
المقابلة في القرآن الكريم
الروحي ، وضرورة من ضروراته . . فلا أستطيع أن أتخلّى عنه إلا إذا تخليت عن مشاعري وإحساساتي الروحية ، بل وعن حياتي ، فأقوى هذه الإحساسات التي هي أصل الحياة هي أن لي ربّا وأن لي إلها ، وأنّي مرتبط بهذا الإله » « 1 » . وقد تحدث القرآن عن هذه الفطرة الموحدة في بعض الآيات منها قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [ الأعراف : 172 ] . ومعنى هذه الآية « أن اللّه سبحانه قد أخذ على البشر عامة ميثاق الفطرة والعقل ، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطنا بعد بطن ، فخلقهم على فطرة الإسلام ، وأودع في أنفسهم غريزة الإيمان ، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية أنّ كل فعل لا بد له من فاعل ، وكل حادث لا بدّ له من محدث ، وأن لكلّ العوالم الممكنة القائمة على سنّة الأسباب والمسببات ، والعلل والمعلولات سلطانا أعلى على جميع الكائنات ، هو الأول والآخر ، هو المستحقّ للعبادة » « 2 » . وقال ابن قيم الجوزية ( - 751 ه ) : « مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أنّ اللّه أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده ، وهم في صور الذّرّ ، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم ، وأنهم مصنوعون فاعترفوا بذلك وقبلوا ، وذلك بعد أن ركّب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم » « 3 » . وأضاف ابن القيم أنّ اللّه سبحانه أخبر أنّ حكمة الإشهاد إقامة الحجّة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، والحجّة إنّما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها « 4 » .
--> ( 1 ) حسن البنا - نظرات في القرآن - ط دار الاعتصام : القاهرة - ص 38 . ( 2 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 9 - ص 387 . ( 3 ) الروح - ط دار الكتب العلمية - بيروت : 1979 م - ص 163 . ( 4 ) الروح - ط دار الكتب العلمية : بيروت 1979 - ص 167 .