بن عيسى باطاهر

38

المقابلة في القرآن الكريم

الإنسان لينبثق منه سلوكه ونشاطه وحركته في هذه الحياة ، ومن هنا تأتي أهمية هذا الموضوع الذي تنوّع عرضه في القرآن لغايات الإقناع والإمتاع ، ولغايات الاستجاشة والتأثير . وسيبقى عرض القرآن لقضية الوحدانية هو التصحيح السليم للعقائد المنحرفة ، والتصورات الباطلة التي عرفتها الإنسانية ، ليميز اللّه الخبيث من الطيب ، والحق من الباطل هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ إبراهيم : 52 ] . 3 - الوحدانية والفطرة : إنّ التديّن غريزة فطرية في النفس البشرية ، وهو حاجة من حاجاتها الضرورية ، فالنفس بحكم تكوينها - وبوعي منها أو بغير وعي - لا بدّ أن تكون لها عقيدة ، وهذه العقيدة هي التصور الشامل للكون والإنسان وعلاقتهما بالإله ، وهي الأساس الذي تنبني عليه حركة الإنسان ، ووجوده في الأرض « 1 » ، فالدين إذن حاجة فطرية كحاجة النفس إلى الطعام والشراب لحفظ الذات ، وكحاجتها إلى النسل لحفظ النوع « 2 » . والاعتقاد بوجود إله مسيطر على الكون بما فيه هو أصل الفطرة ، وهو ما يدعو إليه المنهج القرآني ، أما ما يرى من تعدد الآراء والمعتقدات فيتعلق بانحراف الفطرة عن جادتها ، يقول أحد علماء الغرب : « إنني إذا سئلت لما ذا أنا مؤمن بوجود اللّه ، لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال إلا بالجواب الذي أجيبه إذا سئلت : لما ذا تأكل ، ولما ذا تشرب ؟ ولما ذا تنام ؟ ذلك لأن الجواب عن هذا أنّ الأكل قانون من قوانين وجودي المادي ، فلا يمكنني أن أتخلّى عن الأكل ، ولا عن التنفس . . . وهكذا ، فشعوري بوجود اللّه قانون من قوانين وجودي

--> ( 1 ) محمد - دراسات قرآنية - ص 25 ، 26 . ( 2 ) سيد قطب - مقومات التصور الإسلامي - ص 102 .