بن عيسى باطاهر

28

المقابلة في القرآن الكريم

قال الصفدي : « هذا أبلغ ما يمكن أن ينظم في هذا المعنى ، فإن أكثر مما عدّ الناس في باب المقابلة بيت أبي الطيب لأنّه قابل فيه بين خمسة وهذا قابل فيه بين ستة » « 1 » . هذه أقسام المقابلة المعروفة ، وقسمها ابن قيم الجوزية : « ( - 751 ه ) إلى قسمين : مقابلة لفظية ومقابلة معنوية « 2 » وقسّمها بدر الدين الزركشي ( - 794 ه ) إلى ثلاثة : نظيري ، ونقيضي ، وخلافي « 3 » . ومن أحسن التقسيمات ما نجده عند العلوي ( - 794 ه ) في كتبه « الطراز » حيث قسّمها إلى أربعة أضرب « 4 » : الضرب الأول : في مقابلة الشيء بضده من جهة لفظه ومعناه ، ومثاله قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [ النحل : 90 ] فانظر إلى هذا التقابل العجيب في هذه الآية ما أحسن تأليفه وأعجب تصريفه ، فلقد جمع فيه بين مقابلات ثلاث : الأولى منها مأمور بها والثلاث التوابع منهي عنها ، ثم هي فيما بينها متقابلة أيضا . الضرب الثاني : في مقابلة الشيء بضده من جهة معناه دون لفظه ، ومثاله قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] فقوله : يهدي ويضل من باب الطباق اللفظي ، وقوله : يشرح صدره مع قوله : يجعل صدره ضيّقا حرجا من الطباق المعنوي ، لأن المعنى بقوله يشرح يوسعه للإيمان ويفسحه بالنور حتى يطابق قوله ضيّقا حرجا .

--> ( 1 ) علي بن معصوم المدني ( - 1140 ه ) - أنوار الربيع - تحقيق شاكر هادي شاكر - ط 1 - مطبعة النعمان 1968 م - ج 1 - ص 304 . ( 2 ) الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن - ص 207 . ( 3 ) البرهان في علوم القرآن - ج 3 - ص 458 - 460 . ( 4 ) الطراز - ج 2 - ص 378 - 388 .