بن عيسى باطاهر
231
المقابلة في القرآن الكريم
استحضار هذه الصورة الأخيرة ليقابلها بالصورة المنظورة ، من ذلك قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) [ النحل : 4 ] . فالصورة الحاضرة هنا هي صورة الإنسان « الخصم المبين » والصورة الماضية هي صورة النطفة الحقيرة ، وبين الصورتين مسافة بعيدة يراد إبرازها لبيان هذه المفارقة في تصرف الإنسان ، ولهذا جعل الصورتين متقابلتين ، وأغفل المراحل بينهما ، لتؤدي المفارقة الواضحة هذا الغرض الخاص » « 1 » . ومثال آخر لهذا التناسق في قوله تعالى : وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 ) [ الواقعة : 41 - 45 ] . « فالسموم والحميم » والظل الذي ليس له من الظل إلّا اسمه ، لأنّه من « يحموم » « لا بارد ولا كريم » ، صورة هذا الشظف تقابل صورة الترف : « إنهم كانوا قبل ذلك مترفين » ، وهؤلاء المتحدث عنهم يعيشون في الدنيا الحاضرة ، وصورة الترف في هذه الصورة القريبة ، أما ما ينتظرهم من السموم والحميم والشظف فهو الصورة البعيدة ، ولكن التصوير هنا لفرط حيويته يخيّل للقارئ أن الدنيا قد طويت ، وأنهم الآن هناك ، وأن صورة الترف قد طويت كذلك ، وصورة الشظف قد عرضت ، وأنهم الآن يذكّرون في وسط السموم والحميم ، بأنهم « كانوا قبل ذلك مترفين » وذلك من عجائب التخييل . ولكنّه النسق المتّبع غالبا في القرآن ، والذي يلبي طلبة الفن والدين في آن ، يلبي طلبة الفن في قوة الإحياء ، حتى لينسى المشاهد أنّ هذا مثل يضرب ، ويحس أنّه حاضر يشهد ، ويلبي طلبة الدين ، لأنّ الإحساس بالمغيّب حاضرا مما يلمس الوجدان ، ويهيئ لدعوة الإيمان » « 2 » .
--> ( 1 ) سيد قطب - التصوير الفني في القرآن - ص 98 ، 99 . ( 2 ) سيد قطب - التصوير الفني في القرآن - ص 100 .