بن عيسى باطاهر
232
المقابلة في القرآن الكريم
فالتناسق الفني الذي نلمحه في هذه الآيات مبعثه طريقة المقابلة بين الصورة البعيدة وما يقابلها من صورة قريبة ، مما أعطى لأجزاء الصورتين انسجاما رائعا لا خلل ولا اضطراب فيه . أما الشكل الثاني للتناسق الفني بطريق التقابل فهو : المقابلة بين صورتين حاضرتين ، ومثال ذلك قوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) [ السجدة : 18 - 20 ] . فهذا السياق يعتمد على المقابلة في التفريق بين حقيقتين ، وتمييز إحداهما عن الأخرى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) لأن حقيقة الإيمان تختلف اختلافا جوهريا عن حقيقة الكفر ، وهذا الذي يريد السياق أن يقرره ، ثم بنى على هذه التمايز بين الكفر والإيمان العذاب الحسي الذي ينتظر الكافرين ، والنعيم المادي الذي ينتظر المؤمنين ، ورسم لذلك صورتين كأنهما حاضرتين . فهنا تقابل في جو العذاب وجوّ النعيم ، وفي كل جزئية من الجزئيات هنا وهناك ، ومثل هذا كثير في القرآن الكريم . * * *