بن عيسى باطاهر
230
المقابلة في القرآن الكريم
ألفاظ ولا في أوصاف ، ولكن يتمثل في آدميين أحياء ، في وجوه وسمات ، هذه وجوه قد أشرقت بالنور ، وفاضت بالبشر ، فابيضت من البشر والبشاشة ، وهذه وجوه كمدت من الحزن ، واغبرت من الغمّ ، واسودّت من الكآبة » « 1 » . ولو عرضنا مشهدا منفردا من هذين المشهدين لما كان له هذا الرونق والحسن ، ولما كان له هذا الشدّ والجذب الذي أفاده جمال التعبير ، ودقة التصوير . ومن الغايات الفنية التي تسعى إليها المقابلة في القرآن الكريم توفير التناسق الفني بين أجزاء التعبير ، والتناسق هو نوع من الانسجام التام ، والارتباط الوثيق بين الألفاظ والعبارات والصور ، بحيث يبدو التعبير مثل الصورة المكتملة في أجزائها ، المتناسقة في ألوانها ، وكالشئ الجميل الذي تترابط جميع عناصره لتكون في النهاية منظرا رائعا مؤثرا تتملاه العيون ، وتتجاذبه النفوس . والتعبير القرآني يعتمد على الألفاظ وحدها في أداء المعاني ، ورسم الصور ، وقد بلغ الذروة من الكمال في توفير التناسق الكامل بين جميع الأجزاء المعروضة ، وهذا سرّ من أسرار الإعجاز فيه لا مثيل له في كلام البشر . ويلاحظ أنّه يكثر من استخدام المقابلة في تنسيق صوره التي يرسمها بالألفاظ على نحو دقيق « 2 » ، وهذا الاستخدام هو الذي منح التعبير قوة في الأداء ، وجمالا في التصوير وبراعة في النظم ، فالمقابلة من الأساليب القليلة التي بإمكانها توفير التناسق الفني في التعبير ، فلا عجب أن يكثر القرآن من استخدامها . والتناسق الفني بطريق التقابل له شكلان أولهما : « التقابل بين صورتين إحداهما حاضرة الآن ، والأخرى ماضية في الزمان ، حيث يعمل الخيال في
--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 1 - ص 445 . ( 2 ) سيد قطب - التصوير الفني في القرآن - ص 96 .