بن عيسى باطاهر
223
المقابلة في القرآن الكريم
الحال بالنسبة للإنسان الذي قد يتصرف تصرفا خاطئا في غياب قوته العقلية كأن يضرب أو يقتل إنسانا ما ، وفي مثل هذه الحالة تجد أن القوة العاملة هي العاطفة التي سجلت إحساسها بالغضب أو الألم في حين عطلت قوة العقل « 1 » . وكذلك الحال في الإنسان المدخن تجده مقتنعا بعقله بضرر التدخين ، ومع ذلك لا يستطيع تركه والإقلاع عنه لسيطرة قوى العاطفة عليه بتسجيلها الإحساس باللذة أو الشهوة ، وهي لم تشبع الإشباع الكافي ، ولهذا كانت عملية الإقناع ناقصة في جانب من جوانبها الهامة . إن الغاية التي جاء من أجلها القرآن الكريم هي بيان وترسيخ الأسس الرئيسية التي يقوم عليها بناء العقيدة الصحيحة ، وأقرب الطرق للوصول إلى هذه الغاية هي الوفاء بحاجات النفس الإنسانية ، وإشباع قواها العقلية والوجدانية ، ليكون الإقناع ثمرة منبعثة من العقل والعاطفة معا « 2 » . وعن الإقناع القرآني والتلازم فيه بين العقل والعاطفة في خطاب النفس البشرية يقول محمد عبد اللّه دراز : « أما ما يبدو فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني ، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها ترى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل ، وبنسب عكسية بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى ، ففي القرآن لا ترى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها بين هاتين المتنافرتين » « 3 » . فالطرق والمناهج التي اتبعها القرآن في العرض والاستدلال والتقرير هي التي كان لها الفضل في الوصول إلى غايته من التأثير والإقناع فإذا كان القرآن - بعيدا عن أي عامل خارجي - قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى ما فيه من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب
--> ( 1 ) بن عيسى عبد القدر با طاهر - أساليب الإقناع في القرآن - ص 5 . ( 2 ) محمد حسن آل ياسين - في رحاب القرآن ط 1 دار المعارف : بغداد ، ه - ص 61 . ( 3 ) مدخل إلى القرآن الكريم - ص 117 .