بن عيسى باطاهر
224
المقابلة في القرآن الكريم
الناس الفطري في التفكير والشعور وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك ، وبوصفه الحلول الناجعة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم وبمعنى آخر لا بد أنه ينطوي على ما يشبع حاجتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد « 1 » . فطريقة القرآن في الخطاب - كما ذكرنا ذلك مرارا - تعتمد على تنويع الأساليب ، وتلوين الوسائل للسيطرة على النفوس المتباينة في طبائعها ، المختلفة في تكوينها النفسي والثقافي والاجتماعي ، ومن بين هذه الأساليب التي يفضلها القرآن أسلوب المقابلة لما له من قدرة على تحريك النفوس ، ولكونه من أساليب العرض المتميزة في المنهج القرآني . يقول محمد أبو زهرة : « إن المقابلة بين شيئين أو أمرين أو شخصين تكون ليعرف أيهما المؤثر في عمل معين ، وإذا ثبت أن التأثير لواحد منهما كان له فضل التقدم على غيره ، وقد كان ذلك النوع من ينابيع الاستدلال كثيرا في القرآن الكريم ، لأن المشركين كانوا يعبدون أحجارا يصنعونها أو مخلوقات للّه تعالى خلقها ، وكانوا يعتقدون أن لها تأثيرا في الإيجاد ، أو في الشر يمنع ، أو الخير يجلب ، فكانت المقابلة بين الذات العلية وبين ما ابتدعوا من عبادة الأوثان ينبوعا للاستدلال على بطلان ما زعموا ، ومن ذلك قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) [ النحل : 17 - 18 ] . هذا النص الكريم فيه مقابلة بين المعبود بحق ، وهو اللّه سبحانه وتعالى خالق السماوات وبين ما ابتدعوا من أصنام ومعبودات . . . فالقرآن من هذه المقابلة يأتي بدليل يلزمهم ويفحمهم أو يقنعهم إن استقامت القلوب ، وإن الدليل بالتقابل يصح أن يكون عندما ادعيت الألوهية للخالق جلّت قدرته مع
--> ( 1 ) مدخل إلى القرآن الكريم - ص 70 .