بن عيسى باطاهر

219

المقابلة في القرآن الكريم

الرضى ، وجوه تنعم بما تجد ، وتحمد بما عملت ، فوجدت عقباه خيرا ، والود والرضى ، وهي تنعم بالعين الجارية ، والسرر المرفوعة ، والنمارق المصفوفة ، والزرابي المبثوثة « 1 » . وتعتمد هذه الآيات على عرض هاتين الصورتين على طريقة المقابلة التامة بين جميع الأجزاء فيهما ، وهذه الطريقة في العرض من شأنها أن تبرز الحقائق الغيبية عن اليوم الآخر ، والتي يصعب إدراكها إلا باستخدام الوسائل المناسبة في الإقناع والإمتاع . وعرض مشاهد القيامة بأسلوب التصوير وطريقة المقابلة كثير في القرآن لما في ذلك من فوائد معنوية ، وخصائص أسلوبية تعود أساسا إلى الأهمية الخاصة في الجمع بين الصورة وما يقابلها حتى تكتمل جميع المشاهد ، وتجمع المعلومات الضرورية والكافية لإقامة المفاضلة وحسن الفهم والاختيار . وقال تعالى أيضا : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا ( 16 ) [ الفرقان : 11 - 16 ] . تعرض هذه الآيات مشهدين من مشاهد يوم القيامة بأسلوب تصويري ، وهذان المشهدان متقابلان تقابل تضادّ لأن في المشهد الأول صورة حية للنار وأهلها ، وفي المشهد الثاني صورة ناطقة للجنة وأهلها . لقد رسمت الصورة الأولى جهنم وكأنها كائن حي يعبر عن غيظه وغضبه ، « فنحن هنا أمام مشهد السعير المستعرة وقد ربت فيها الحياة ، فإذا هي تنظر فترى أولئك المكذبين بالساعة ، تراهم من بعيد فإذا هي تتغيظ وتزفر فيسمعون

--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 6 - ص 3896 ، 3897 .