بن عيسى باطاهر

220

المقابلة في القرآن الكريم

زفيرها وتغيّظها ، وهي تحترق عليهم ، وتصعد الزفرات غيظا منهم ، وهي تتميز من النقمة ، وهم إليها في الطريق . . . مشهد رعيب يزلزل الأقدام والقلوب ، ثم ها هم أولاء قد وصلوا ، فلم يتركوا لهذا الغول طلقاء ، يصارعونها فتصرعهم ويتحامونها فتغلبهم ، بل ألقوا إليها إلقاء ، ألقوا مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أرجلهم في السلاسل وألقوا في مكان ضيق ، يزيدهم كربة وضيقا ، ويعجزهم عن التفلت والتململ . . ثم ها هم أولاء يائسون من الخلاص ، مكروبون في السعير ، فراحوا يدعون الهلاك أن ينقذهم من هذا البلاء « 1 » . أما الصورة الثانية فهي صورة الجنة التي يغلب عليها طابع الهدوء والسلامة ، وطابع الاطمئنان والرضى ، لأنها وصفت بجنة الخلد وأهلها فيها خالدون لهم ما يشاءون من نعيم مقيم ، ورضوان ، على عكس الصورة الأولى تماما . ومن مشاهد القيامة التي يظهر فيها انسجام الأسلوب التصويري مع المقابلة قوله تعالى : وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 ) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ( 73 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 74 ) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 75 ) [ الزمر : 71 - 75 ] . تعرض هذه الآيات لمشهدين متقابلين من مشاهد يوم القيامة ، في المشهد الأول صورة حية متحركة لجهنم وأهلها الذين سيقوا إليها سوقا عنيقا ، حتى إذا وصلوا إليها بعيدا هناك استقبلهم خزنتها بتسجيل استحقاقهم لها ، وتذكيرهم

--> ( 1 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 5 - ص 2554 ، 2555 .