بن عيسى باطاهر
215
المقابلة في القرآن الكريم
إن القرآن الكريم من خلال طريقة المقابلة بين هذا المتضادات يدعو إلى تحريك قوى النفس لدى الإنسان ، وبخاصة قوة العقل كي تقيم موازنة بين الأشياء المختلفة ، وتعلم حقيقة الشيء وما يناقضه ثم تخرج بحكم نهائي وفق منهج النظر السليم ، والمفاضلة الدقيقة ، لتسير عليه في حياتها على بصيرة ونور . أما الإنسان الذي يعتمد على وجه واحد في تبني منهجه في الحياة دون معرفة تامة بالوجه الآخر الذي يقابله غالبا ما يقوده هذا إلى الخطأ والضلال ، وقديما قال عمر بن الخطاب : « من لم يعرف الشر جدير بأن يقع فيه » « 1 » ، أي أن المعرفة بالشيء وما يقابله هي التي تعطي التصور الكامل عن الأشياء ، وهي التي تجعل منهج الاختيار مبنيا على قواعد ثابتة ونظرات دقيقة . فمعرفة الحق وحده لا تكفي في أسس الاختيار والتبني دون معرفة الباطل في صورة المتعددة . ويظهر بوضوح وجلاء من خلال هذه الآيات أن المقابلة بين الأشياء في صورتها المتضادة هي أسلوب من أساليب العرض القرآنية ، وهي من الوسائل التي يلجأ إليها القرآن كثيرا في أداء المعاني ، وإقامة الحجة على الناس ، وتحريك قلوبهم وعقولهم لمعرفة الحق ومقتضياته وتمييزه عن الباطل وأشكاله . ولا يتسع هذا المقام لعرض نماذج أخرى للدلالة على صدق ما نقول واكتفينا هنا بما عرضناه في فصول سابقة ضمن التطبيق العملي على سورة واحدة فقط هي سورة التوبة ، وكانت نتائج الدراسة دليلا قاطعا على ما تبنّيناه في هذا البحث من أن المقابلة هي إحدى طرق العرض البارزة في المنهج القرآني .
--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني - ج 3 - ص 875 .