بن عيسى باطاهر
214
المقابلة في القرآن الكريم
قال تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [ فاطر : 19 - 23 ] . في هذه الآيات عرض لمجموعة من الأشياء المتضادة بطريقة التقابل ، وفيها بيان يثبت المفاضلة بين الشيء وضده للوصول إلى القيمة الدينية الكبرى وهي أن الحق والباطل لا يستويان أبدا . كما أن الأعمى والبصير لا يستويان هذا أعمى وذاك مبصر ، والظلمات والنور لا يستويان كذلك هذه ظلمات وذاك نور ، والظل والحرور لا يستويان أيضا ، هذا ظل بارد وذاك سموم حار ، والأحياء والأموات لا يستوون ، هؤلاء أحياء وأولئك أموات هامدون . ومراد الآيات هو الإلفات إلى أن الأمور ليست على وجه واحد ، وإنما لكل أمر وجهان ، وجه وضدّ لهذا الوجه مثل الوجود والعدم ، والحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والنور والظلام ، والظل والحر ، والعذب والملح وهكذا . . . والمطلوب من الخصم أن يعترف به هنا هو أن الشيء الذي يمسك به ، ليس هو كل شيء ، وإنما يقابله نقيضه ، الذي يجب أن ينظر فيه ، ويقابل الوجه الذي معه ، على الوجه الآخر الذي لهذا الشيء « 1 » . « فإذا كان المشركون يمسكون بالشرك ، ولا يرون أن هناك معتقدا غيره ، فليعلموا أن هناك وجها آخر لا بد أن يقابل هذا الشرك ، دون التفات إلى أيهما الفاضل وأيهما المفضول . . إن الأمور لا تكون إلا على هذا الازدواج بين الشيء وضده ، وليس الشرك الذي بين أيديهم بدعا من الأشياء . . فليبحثوا عن الوجه الآخر المقابل له . . فإذا فعلوا كانت المرحلة الثانية من مراحل النظر ، وهي أن يوازنوا بين ما معهم من شرك ، وبين الوجه الآخر المقابل له وهو الإيمان » « 2 » .
--> ( 1 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 4 - ص 873 . ( 2 ) نفسه - ج 4 - ص 873 ، 874 .