بن عيسى باطاهر
213
المقابلة في القرآن الكريم
وطرق العرض كثيرة ومتنوعة في القرآن الكريم ، ولها علاقة بجميع عناصر البلاغة العربية ، لكن المتأمل في القرآن يجد أن هناك طرقا بارزة يعتمد عليها القرآن كثيرا لما لها من قدرة على مخاطبة جوانب النفس البشرية وتحريك قواها ، ومن هذه الطرق نجد أسلوب التصوير وأسلوب التمثيل وأسلوب الجدل وأسلوب الاستفهام وأسلوب التكرار وأسلوب القصص ، وغير ذلك من الأساليب البارزة فيه ، ومن جملة هذه الطرق نجد أن أسلوب المقابلة الذي لم يعط حقّه من الدراسة على الرغم من أنّه أسلوب بارز في القرآن بل إنه يشكل ظاهرة أسلوبية متميزة ، فكثيرا ما يعتمد عليه القرآن في عرض قضاياه كما رأينا ذلك في الفصول السابقة . فالمقابلة إذن هي إحدى طرق العرض القوية في القرآن ، وليست جزءا ضئيلا من المحسنات المعنوية التي تدرس في نطاق ضيق جدا هو علم البديع ، بل الواجب بعد الآن عدّها من أساليب القرآن البليغة ، وطرق عرضه الرائعة ، والواجب أيضا تصنيفها تصنيفا آخر وإعطاؤها موقعا جديدا ضمن علم المعاني ، وضمن طرق العرض التي يختارها القرآن لعرض قضاياه المختلفة . وهناك حقيقة لا يمكن أن نغفلها وهي أن المقابلة هي من جملة طرق العرض التي يلجأ إليها القرآن ، وهي متكاملة متجانسة مع بقية الأساليب ، لأداء الأغراض والقيم التي يريدها المنهج القرآني ، لكنّها تعد من أبرز الطرق الواضحة في العرض ، وفي الأداء البياني الذي يسعى إليه القرآن . لقد تبين لنا في فصول سابقة أن القرآن الكريم يلجأ إلى طريقة المقابلة تحقيقا لقيم فكرية ومعنوية كثيرة ، فهو يعرض جميع القضايا الكبرى في هذا الوجود بأسلوب التقابل حين يجمع في الطريقة بين الشيء وضده ، والمعنى ونقيضه ، وحين تعرض الصورة الفنية وما يقابلها من صورة أخرى تخالفها في الشكل والمضمون ، ولا بأس الآن أن نقف عند آية قرآنية ليتبين لنا صدق الدعوى التي نقول .