بن عيسى باطاهر

212

المقابلة في القرآن الكريم

تشذ بعض النفوس عن إدراك حقائق القرآن والاقتناع بمبادئه لما ترسّب فيها من آفة الجدل المذموم الذي يجعلها تتمسك بمواقفها وإن كانت باطلا ، ويشبهاتها وإن كانت كذبا « 1 » . إن تعدد الأساليب البيانية ، والتنويع في طرق العرض الفنية هما من الخصائص الأسلوبية في القرآن الكريم ، كل ذلك لتحقيق حاجات النفوس جميعها ، والوفاء بمتطلباتها ، والملاحظ كذلك أن القرآن يخاطب الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم بالدعوة إلى اللّه ويدعوه إلى تنويع وسائل دعوته حسب مقامات المخاطبين ، قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] . لقد جمعت هذه الآية القصيرة في خطاب مركز طرق مخاطبة الجماعات البشرية ، وتلوين الوسائل حسب ثقافة كل جماعة واستعدادها الفكري والنفسي « 2 » . لقد ناقشنا في فصل سابق قضية المعاني وطرق عرضها ، وأيّها مقدّم في البلاغة القرآنية ، وأيّها كان له الفضل في تحقيق غايات القرآن الإقناعية عبر العصور التي مضت وحتى الآن ، ووصلنا إلى نتيجة مفادها أن القرآن الكريم يوازن بين صحة المعنى ودقته ، وبين طريقة عرضه المناسبة ، وكان الفضل للإثنين معا ، لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن المعاني التي عرض لها القرآن لم تكن كلّها جديدة فقد كانت العرب تعرف بعضها ، ومن هنا بقي الفضل الأكبر لطريقة العرض التي يستخدمها القرآن في أداء المعنى ، فهي التي أوصلت المعنى في صورة جميلة ، وفي قوالب بيانية رائعة ، وهي التي بها تميّز الأسلوب القرآني عن غيره من أساليب البشر .

--> ( 1 ) بن عيسى عبد القادر با طاهر - أساليب الإقناع في القرآن الكريم - ص 20 . ( 2 ) نفسه - ص 24 .